الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب في فتح مكة، ودخولها بالقتال عنوة ومنة عليهم

3331 [ ص: 184 ] باب: في فتح مكة، ودخولها بالقتال عنوة ومنة عليهم

ولفظ النووي : (باب فتح مكة) .

حديث الباب

وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 126 - 131 ج 12 المطبعة المصرية

[حدثنا شيبان بن فروخ. حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة قال وفدت وفود إلى معاوية وذلك في رمضان فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله فقلت ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي؟ فأمرت بطعام يصنع ثم لقيت أبا هريرة من العشي. فقلت: الدعوة عندي الليلة فقال: سبقتني؟ قلت: نعم. فدعوتهم فقال أبو هريرة ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار ثم ذكر فتح مكة فقال أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم مكة فبعث الزبير على إحدى المجنبتين وبعث خالدا على المجنبة الأخرى وبعث أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة قال فنظر فرآني فقال: "أبو هريرة" قلت: لبيك. يا رسول الله! فقال "لا يأتيني إلا أنصاري".

زاد غير شيبان فقال: "اهتف لي بالأنصار " قال: فأطافوا به. ووبشت قريش أوباشا لها وأتباعا فقالوا نقدم هؤلاء فإن كان لهم شيء كنا معهم وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا فقال [ ص: 185 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم" ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى. ثم قال: "حتى توافوني بالصفا" قال فانطلقنا فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا قال فجاء أبو سفيان فقال يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم ثم قال من دخل دار أبي سفيان فهو آمن فقالت الأنصار بعضهم لبعض أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي فلما انقضى الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار !" قالوا: لبيك يا رسول الله!. قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته". قالوا: قد كان ذاك. قال: "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم قال فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلق الناس أبوابهم قال وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ثم طاف بالبيت قال فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه قال وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس وهو آخذ بسية القوس فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول جاء الحق وزهق الباطل فلما فرغ من طوافه، [ ص: 186 ] أتى الصفا فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت. ورفع يديه فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو
.

وحدثنيه عبد الله بن هاشم حدثنا بهز حدثنا سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد وزاد في الحديث ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى "احصدوهم حصدا" وقال في الحديث قالوا: قلنا: ذاك. يا رسول الله! قال: "فما اسمي إذا؟ كلا. إني عبد الله ورسوله"] .

التالي السابق


(الشرح)

(عن عبد الله بن رباح ، عن أبي هريرة) رضي الله عنهم ; (قال : وفدت وفود إلى معاوية . وذلك في رمضان . فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام . وكان أبو هريرة ، مما يكثر أن يدعونا إلى رحله . فقلت : ألا أصنع طعاما ، فأدعوهم إلى رحلي ؟ فأمرت بطعام يصنع . ثم لقيت أبا هريرة من العشي ، فقلت : الدعوة عندي الليلة . فقال : سبقتني ؟ قلت : نعم . فدعوتهم . فقال أبو هريرة رضي الله عنه : (ألا أعلمكم بحديث من حديثكم ؟ يا معشر الأنصار ! ثم ذكر فتح مكة ، فقال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم ، حتى قدم مكة . فبعث الزبير على إحدى المجنبتين) بضم الميم وفتح الجيم ، وكسر النون .

[ ص: 187 ] هما : الميمنة ، والميسرة . ويكون القلب بينهما . قال في القاموس " المجنبة "، بفتح النون : المقدمة . " والمجنبتان " بالكسر : الميمنة والميسرة . انتهى .

والمراد هنا : أنه صلى الله عليه وآله وسلم بعث " الزبير " ، إما على الميسرة . أو الميمنة .

(وبعث خالدا على المجنبة الأخرى . وبعث أبا عبيدة على الحسر) بضم الحاء وتشديد السين ، جمع : " حاسر " . وهو من لا سلاح معه . وقال النووي : أي الذين لا دروع عليهم .

(فأخذوا بطن الوادي) . أي : جعلوا طريقهم في بطن الوادي . (ورسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم في كتيبة) . وهي الجيش . (قال : فنظر فرآني . فقال : " أبو هريرة " . قلت : لبيك . يا رسول الله ! فقال : "لا يأتيني إلا أنصاري ". زاد غير شيبان : فقال : " اهتف لي بالأنصار ") . أي : ادعهم لي ، واصرخ بهم . قال في القاموس : " هتفت الحمامة تهتف " : صاتت . " وبه هتافا "، بالضم : صاح .

(قال : فأطافوا به) إنما خصهم : لثقته بهم ، ورفعا لمراتبهم ، وإظهارا لجلالتهم ، وخصوصيتهم .

(ووبشت) بالباء الموحدة المشددة ، والشين المعجمة . (قريش أوباشا [ ص: 188 ] لها ، وأتباعا) أي : جمعت جموعا من قبائل شتى . " والأوباش " : الأخلاط والسفالة . كما في القاموس .

فقالوا:نقدم هؤلاء. فإن كان لهم شيء ، كنا معهم . وإن أصيبوا ; أعطينا الذي سئلنا . فقال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم : ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم " . ثم قال بيديه) ، إحداهما على الأخرى) .

فيه : استعارة القول للفعل . والمراد : أنه أشار بيديه إشارة ، تدل على الأمر منه ، " صلى الله عليه وآله وسلم " : بقتل من يعرض لهم من أوباش قريش .

ثم قال : " حتى توافوني بالصفا " . قال : فانطلقنا . فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا ، إلا قتله . وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا) . أي : لا يدفع أحد عن نفسه (قال : فجاء أبو سفيان فقال : يا رسول الله ! أبيحت خضراء قريش . لا قريش بعد اليوم) . كذا في هذه الرواية : " أبيحت " وفي أخرى : " أبيدت " . قال النووي : وهما متقاربان . أي : استؤصلت قريش بالقتل ، وأفنيت . " وخضراؤهم " معنى : جماعتهم . ويعبر عن الجماعة المجتمعة : بالسواد والخضرة . ومنه : السواد الأعظم . انتهى .

قال في القاموس : " الخضراء " : سواد القوم ومعظمهم .

[ ص: 189 ] ويجوز في " قريش " : الفتح. لكنه يحتاج إلى تأويل . أي : لاأحد من قريش. لأنه لا يفتح بعد "لا" ، إلا النكرة . والرفع أيضا على أنها بمعنى " ليس " . وهو شاذ . حتى قيل : إنه لم يرد إلا في الشعر .

(قال) : " من دخل دار أبي سفيان ، فهو آمن. استدل به الشافعي وموافقوه : على أن دور مكة مملوكة ، يصح بيعها وإجارتها . لأن أصل الإضافة إلى الآدميين تقتضي الملك . وما سوى ذلك مجاز .

وفيه : تأليف لأبي سفيان ، وإظهار لشرفه .

(فقالت الأنصار ، بعضهم لبعض : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ، ورأفة بعشيرته . قال أبو هريرة . وجاء الوحي . وكان إذا جاء الوحي ، لا يخفى علينا . فإذا جاء ، فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم ، حتى ينقضي الوحي . فلما انقضى الوحي ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "يا معشر الأنصار ؟ قالوا : لبيك . يا رسول الله ! قال : " قلتم : أما الرجل فأدركته رغبة في قريته " . قالوا : قد كان ذلك. قال : كلا !) . ومعناها ههنا : " حقا " . ولها معنيان ، أحدهما : " حقا " . والآخر : "النفي". وقوله : (إني عبد الله ورسوله . هاجرت إلى الله وإليكم) . يحتمل المعنيين ;

[ ص: 190 ] أحدهما : إني رسول الله حقا ، فيأتيني الوحي ، وأخبر بالمغيبات ، كهذه القضية وشبهها . فثقوا بما أقول لكم ، وأخبركم به ، في جميع الأحوال .

والآخر : لا تفتتنوني بإخباري إياكم بالمغيبات ، وتطروني كما أطرت النصارى عيسى " صلوات الله عليه " . فإني عبد الله ورسوله .

(المحيا محياكم . والممات مماتكم) . معناه : إني هاجرت إلى الله . وإلى دياركم لاستيطانها . فلا أتركها . ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى . بل أنا ملازم لكم . ولا أحيا إلا عندكم . ولا أموت إلا عندكم . وهذا أيضا من المعجزات .

فلما قال لهم ذلك ، (فأقبلوا إليه يبكون ويقولون : والله ! ما قلنا الذي قلنا ، إلا الضن بالله وبرسوله) . أي : حرصا عليك ، وعلى مصاحبتك ، ودوامك عندنا ، لنستفيد منك ، ونتبرك بك ، وتهدينا الصراط المستقيم.

" والضن "، بكسر الضاد . معناه : الشح . أي : شكا بك أن تفارقنا ، ويختص بك غيرنا .

وكان بكاؤهم فرحا بما قال لهم ، وحياء مما خافوا أن يكون بلغه عنهم : ما يستحيا منه .

[ ص: 191 ] (فقال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم : " إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم") .

معنى هذه الجملة : أنهم رأوا رأفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مكة ، وكف القتل عنهم . فظنوا : أنه يرجع إلى سكنى مكة ، والمقام فيها دائما ، ويرحل عنهم ويهجر المدينة ، فشق ذلك عليهم . فأوحى الله تعالى إليه ، صلى الله عليه وآله وسلم ، فأعلمهم بذلك ; فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قلتم : كذا وكذا . قالوا : " نعم " . قلنا هذا . قال النووي : فهذه معجزة من معجزات النبوة .

وفيه : جواز الجمع بين ضمير الله ورسوله . وكذلك وقع الجمع بينهما ، في حديث النهي عن لحوم الحمر الأهلية ، بلفظ : "إن الله ورسوله ينهيانكم " . فلا بد من حمل النهي الواقع في حديث الخطيب ، "ومن يعصهما فقد غوى" : على من اعتقد التسوية .

(قال : فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان . وأغلق الناس أبوابهم . قال : فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم ، حتى أقبل إلى الحجر ، فاستلمه . ثم طاف بالبيت) .

فيه : الابتداء بالطواف ، في أول دخول مكة . سواء كان محرما بحج أو عمرة ، أو غير محرم . وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، دخلها في هذا اليوم (وهو يوم الفتح) : غير محرم ، بإجماع المسلمين . وكان على رأسه المغفر . والأحاديث متظاهرة على ذلك . والإجماع منعقد عليه .

[ ص: 192 ] وأما قول عياض : أجمع العلماء على تخصيص النبي ، صلى الله عليه وآله وسلم ، بذلك . ولم يختلفوا في أن من دخلها بعده ، لحرب أو بغي : أنه لا يحل له دخولها حلالا : فليس كما نقل . بل مذهب الشافعي وآخرين : أنه يجوز دخولها حلالا للمحارب بلا خلاف . وكذا لمن يخاف من ظالم ، لو ظهر للطواف وغيره .

وأما من لا عذر له أصلا ، فالأصح : أنه يجوز له دخولها بغير إحرام .

لكن يستحب له الإحرام .

(قال : فأتى على صنم إلى جنب البيت ، كانوا يعبدونه) . وفي رواية للبخاري : " أن الأصنام كانت ثلاثمائة وستين ".

(قال : وفي يد رسول الله صلى الله عليه وآله (وسلم قوس . وهو آخذ بسية القوس) بكسر السين وتخفيف الياء المفتوحة : المنعطف من طرفي القوس . لأنهما مستويان .

(فلما أتى على الصنم ، جعل يطعن في عينه) بضم العين وبفتحها .

والأول أشهر (ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل ") زاد في حديث " ابن عمر " عند الفاكهي ، وصححه ابن حبان : "فيسقط الصنم ، ولا يمسه " . وللطبراني من حديث " ابن عباس " : (فلم يبق وثن استقبله ، إلا سقط على قفاه " . مع أنها كانت ثابتة في الأرض . قد شد لهم إبليس [ ص: 193 ] أقدامها بالرصاص . وإنما فعل ذلك صلى الله عليه وآله وسلم : إذلالا لها ، ولعابديها . وإظهارا لعدم نفعها . لأنها إذا عجزت عن أن تدفع عن نفسها ، فهي عن الدفع عن غيرها أعجز .

(فلما فرغ من طوافه ، أتى الصفا فعلا عليه ، حتى نظر إلى البيت .

ورفع يديه ، فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء الله أن يدعو) .

وفي هذا الحديث : دليل على أن مكة فتحت عنوة . ومن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أهلها . وقد اختلف أهل العلم في ذلك ; فذهب الأكثرون " ومنهم مالك ، وأبو حنيفة ، وجماهير العلماء ، وأهل السير ، وأحمد بن حنبل " : إلى أنها فتحت عنوة .

وعن أحمد " في رواية " ، والشافعي : أنها فتحت صلحا . وادعى المازري : أن الشافعي انفرد بهذا القول .

واحتج الجمهور : بهذا الحديث . وبقوله : " أبيدت خضراء قريش " .

وبقوله : " من ألقى سلاحه فهو آمن . ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". فلو كانوا كلهم آمنين ، لم يحتج إلى هذا . وبقوله في حديث أم هانئ : " أجرنا من أجرت ".

واحتج الشافعي ، بحديث : أنه صلى الله عليه وآله وسلم ، صالحهم بمر الظهران . قبل دخول مكة .

[ ص: 194 ] قال في المنتقى (بعد ما أورد أحاديث هذا الباب) : وأكثر هذه الأحاديث ، تدل على أن الفتح عنوة .

والكلام في هذا يطول جدا . وقد قضى الوطر عنه : قاضي القضاة " محمد بن علي الشوكاني ، رحمه الله تعالى " ، في شرح المنتقى . فراجعه .

ومن أوضح الأدلة ، على أنها فتحت عنوة : قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث آخر : " إنما أحلت لي ساعة من نهار " . فإن هذا تصريح بأنها أحلت له في ذلك ، يسفك بها الدماء . وأن حرمتها ذهبت فيه ، وعادت بعده . ولو كانت مفتوحة صلحا ، لما كان لذلك معنى يعتد به . وفي مسند أحمد : " أن تلك الساعة استمرت من صبيحة يوم الفتح ، إلى العصر ".

قال الحافظ في الفتح : والحق أن صورة فتحها ، كانت عنوة .

ومعاملة أهلها ، معاملة من دخل بأمان . انتهى . والله أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث