الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن

( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) .

قوله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ) .

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قوله : ( وكذلك ) منسوق على شيء ، وفي تعيين ذلك الشيء قولان :

الأول : أنه منسوق على قوله : ( كذلك زينا لكل أمة عملهم ) أي كما فعلنا ذلك ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ) .

الثاني : معناه : جعلنا لك عدوا كما جعلنا لمن قبلك من الأنبياء فيكون قوله : ( كذلك ) عطفا على معنى ما تقدم من الكلام ؛ لأن ما تقدم يدل على أنه تعالى جعل له أعداء .

المسألة الثانية : ظاهر قوله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا ) أنه تعالى هو الذي جعل أولئك الأعداء أعداء للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا شك أن تلك العداوة معصية وكفر . فهذا يقتضي أن خالق الخير والشر والطاعة والمعصية والإيمان والكفر هو الله تعالى .

أجاب الجبائي عنه : بأن المراد بهذا الجعل الحكم والبيان ، فإن الرجل إذا حكم بكفر إنسان قيل : إنه كفره ، وإذا أخبر عن عدالته ، قيل : إنه عدله ، فكذا هاهنا أنه تعالى لما بين للرسول عليه الصلاة والسلام كونهم أعداء له لا جرم قال : إنه جعلهم أعداء له ، وأجاب أبو بكر الأصم عنه : بأنه تعالى لما أرسل محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلى العالمين وخصه بتلك المعجزة حسدوه ، وصار ذلك الحسد سببا للعداوة القوية ، فلهذا التأويل قال : إنه تعالى جعلهم أعداء له ، ونظيره قول المتنبي :


فأنت الذي صيرتهم لي حسدا



وأجاب الكعبي عنه : بأنه تعالى أمر الأنبياء بعدواتهم وأعلمهم كونهم أعداء لهم ، وذلك يقتضي صيرورتهم أعداء للأنبياء ؛ لأن العداوة لا تحصل إلا من الجانبين ، فلهذا الوجه جاز أن يقال : إنه تعالى جعلهم أعداء للأنبياء عليهم السلام .

واعلم أن هذه الأجوبة ضعيفة جدا لما بينا أن الأفعال مستندة إلى الدواعي ، وهي حادثة من قبل الله تعالى ، ومتى كان الأمر كذلك ، فقد صح مذهبنا .

ثم هاهنا بحث آخر : وهو أن العداوة والصداقة يمتنع أن تحصل باختيار الإنسان ، فإن الرجل قد يبلغ [ ص: 126 ] في عداوة غيره إلى حيث لا يقدر البتة على إزالة تلك الحالة عن قلبه ، بل قد لا يقدر على إخفاء آثار تلك العداوة ، ولو أتى بكل تكلف وحيلة لعجز عنه ، ولو كان حصول العداوة والصداقة في القلب باختيار الإنسان لوجب أن يكون الإنسان متمكنا من قلب العداوة بالصداقة وبالضد ، وكيف لا نقول ذلك والشعراء عرفوا أن ذلك خارج عن الوسع ؟ قال المتنبي :


يراد من القلب نسيانكم     وتأبى الطباع على الناقل



والعاشق الذي يشتد عشقه قد يحتال بجميع الحيل في إزالة عشقه ولا يقدر عليه ، ولو كان حصول ذلك الحب والبغض باختياره لما عجز عن إزالته .

المسألة الثالثة : النصب في قوله : ( شياطين ) فيه وجهان :

الأول : أنه منصوب على البدل من قوله : ( عدوا ) .

والثاني : أن يكون قوله : ( عدوا ) منصوبا على أنه مفعول ثان ، والتقدير : وكذلك جعلنا شياطين الإنس والجن أعداء الأنبياء .

المسألة الرابعة : اختلفوا في معنى شياطين الإنس والجن على قولين :

الأول : أن المعنى مردة الإنس والجن ، والشيطان كل عات متمرد من الإنس والجن ، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء ومجاهد والحسن وقتادة ، وهؤلاء قالوا : إن من الجن شياطين ، ومن الإنس شياطين ، وإن الشيطان من الجن إذا أعياه المؤمن ذهب إلى متمرد من الإنس ، وهو شيطان الإنس فأغراه بالمؤمن ليفتنه ، والدليل عليه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبي ذر : هل تعوذت بالله من شر شياطين الجن والإنس ؟ قال قلت : وهل للإنس من شياطين ؟ قال : نعم ؛ هم شر من شياطين الجن .

والقول الثاني : أن الجميع من ولد إبليس إلا أنه جعل ولده قسمين ، فأرسل أحد القسمين إلى وسوسة الإنس ، والقسم الثاني إلى وسوسة الجن ، فالفريقان شياطين الإنس والجن ، ومن الناس من قال : القول الأول أولى ؛ لأن المقصود من الآية الشكاية من سفاهة الكفار الذين هم الأعداء ، وهم الشياطين ، ومنهم من يقول : القول الثاني أولى ؛ لأن لفظ الآية يقتضي إضافة الشياطين إلى الإنس والجن . والإضافة تقتضي المغايرة ، وعلى هذا التقدير : فالشياطين نوع مغاير للجن وهم أولاد إبليس .

المسألة الخامسة : قال الزجاج وابن الأنباري : قوله : ( عدوا ) بمعنى أعداء ، وأنشد ابن الأنباري :


إذا أنا لم أنفع صديقي بوده     فإن عدوي لن يضرهمو بغضي



أراد أعدائي ، فأدى الواحد عن الجمع ، وله نظائر في القرآن ، ومنها :

قوله : ( ضيف إبراهيم المكرمين ) [ الذاريات : 24 ] جعل المكرمين وهو جمع نعتا للضيف وهو واحد .

وثانيها : قوله : ( والنخل باسقات لها طلع ) [ ق : 10 ] .

وثالثها : قوله : ( أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ) [ النور : 31 ] .

ورابعها : قوله : ( إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ) [ العصر : 2 ، 3 ] .

وخامسها : قوله : ( كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ) [ آل عمران : 93 ] أكد المفرد بما يؤكد الجمع به ، ولقائل أن يقول : لا حاجة إلى هذا التكلف ، فإن التقدير : وكذلك جعلنا لكل واحد من الأنبياء عدوا واحدا ، إذ لا يجب لكل واحد من الأنبياء أكثر من عدو واحد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث