الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ولا يجوز القصر إلا في سفر ليس بمعصية

جزء التالي صفحة
السابق

قال المصنف - رحمه الله تعالى - : ( ولا يجوز القصر إلا في سفر ليس بمعصية ، فأما إذا سافر لمعصية كالسفر لقطع الطريق أو قتال المسلمين فلا يجوز القصر ولا الترخص بشيء من رخص المسافرين ، لأن الرخص لا يجوز أن تعلق بالمعاصي ، ولأن في جواز الرخص في سفر المعصية إعانة على المعصية وهذا لا يجوز ) .

التالي السابق


( الشرح ) قال أصحابنا : إذا خرج مسافرا عاصيا بسفره بأن خرج لقطع الطريق أو لقتال المسلمين ظلما أو آبقا من سيده أو ناشزة من زوجها أو متغيبا عن غريمه مع قدرته على قضاء دينه ونحو ذلك لم يجز له أن يترخص بالقصر ولا غيره من رخص السفر بلا خلاف عند أصحابنا إلا المزني فجوز له ذلك ، وإلا التيمم فقد سبق في بابه أن في العاصي بسفره ثلاثة أوجه ( أصحها ) يلزمه التيمم وإعادة الصلاة ( والثاني ) يلزمه التيمم ولا إعادة ( والثالث ) : يحرم التيمم ويجب القضاء ويعاقب على ترك الصلاة ويكون كتاركها مع تمكنه من الطهارة ، لأنه قادر على استباحتها بالتيمم بأن يتوب ويستبيح التيمم وسائر الرخص .

هذا كله فيمن خرج عاصيا بسفره ، فأما من خرج بنية سفر مباح ثم نقله إلى معصية ففيه وجهان مشهوران : حكاهما الشيخ أبو حامد والبندنيجي وجماعات من العراقيين وإمام الحرمين وجماعات من الخراسانيين : ( أحدهما ) : يترخص بالقصر وغيره لأن السفر انعقد مباحا مرخصا فلا يتغير قال إمام الحرمين : وهذا ظاهر النص ( وأصحهما ) لا يترخص من حين نوى المعصية لأن سفر المعصية ينافي الترخص ، وممن صححه القاضي [ ص: 224 ] أبو علي البندنيجي والرافعي ، قال صاحب البيان : وهذه المسألة تشبه من سافر مباحا إلى مقصد معلوم ثم نوى في طريقه إن لقيت فلانا رجعت فهل له استدامة الترخص ؟ فيه وجهان :

أما إذا أنشأ سفر معصية ثم تاب في أثناء طريقه ونوى سفرا مباحا واستمر في طريقه إلى مقصده الأول ففيه طريقان ( أصحهما ) وبه قطع الأكثرون أن ابتداء سفره من ذلك الموضع - فإن كان منه إلى مقصده مرحلتان ترخص بالقصر وغيره ، وإلا فلا .

( والثاني ) : حكاه إمام الحرمين عن شيخه أن طرآن سفر الطاعة كطرآن نية سفر المعصية فيكون فيه الوجهان ، هذا كله في العاصي بسفره ، أما العاصي في سفره وهو من خرج في سفر مباح وقصد صحيح ثم ارتكب معاصي في طريقه كشرب الخمر وغيره ، فله الترخص بالقصر وغيره بلا خلاف .

لأنه ليس ممنوعا من السفر ، وإنما يمنع من المعصية بخلاف العاصي بسفره .

( فرع ) ليس للعاصي بسفره أكل الميتة عند الضرورة ، هذا هو المذهب ، وبه قطع جماهير الأصحاب ، لأنه تخفيف فلا يستبيحه العاصي بسفره ، وهو قادر على استباحته بالتوبة ، وحكى إمام الحرمين وغيره وجها أنه يجوز لأنه أحياء نفس مشرفة على الهلاك وأما المقيم العاصي إذا أضطر إلى الميتة فيباح له ، هذا هو المذهب ، وبه قطع جمهور الأصحاب ، وحكى البغوي وغيره وجها أنها لا تباح له حتى يتوب .

( فرع ) قال أصحابنا : مما يلحق بسفر المعصية أن يتعب نفسه ويعذب دابته بالركض لغير غرض ، قال الصيدلاني وغيره : وهو حرام ، ولو انتقل من بلد إلى بلد بلا غرض صحيح لم يترخص ، قال الشيخ أبو محمد : السفر لمجرد رؤية البلاد ليس بغرض صحيح فلا يترخص .

( فرع ) في مذاهب العلماء مذهبنا جواز القصر في كل سفر ليس معصية سواء الواجب والطاعة والمباح كسفر التجارة ونحوها ولا يجوز في سفر معصية وبهذا قال مالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم .

وقال ابن مسعود : لا يجوز القصر إلا في سفر حج أو غزو وفي رواية عنه : لا يجوز [ ص: 225 ] إلا في سفر واجب وعن عطاء رواية أنه لا يجوز إلا في سفر طاعة ، ولا يشترط كونه واجبا ، ورواية كمذهبنا ، وقال الأوزاعي وأبو حنيفة والثوري والمزني : يجوز القصر في سفر المعصية وغيره ، دليلنا على الأولين إطلاق النصوص وعلى الآخرين قوله تعالى { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم } وأيضا ما ذكره المصنف ، وجميع رخص السفر لها حكم القصر في هذا فلا يستبيح العاصي بسفره شيئا منها حتى يتوب ، ومنها أكل الميتة وجوزه له أبو حنيفة .

دليلنا الآية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث