الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وممن توفي فيها من الأعيان : خربندا ملك التتار ، كما تقدم ، وعز الدين بن ميسر ، والشهاب الكاشغري شيخ الشيوخ ، وشمس الدين بن الحظيري ، والبهاء العجمي ، مدرس النجيبية .

[ ص: 156 ] وفيها قتل خطيب المزة ، قتله رجل جبلي ، ضربه بفأس اللجام في رأسه في السوق ، فبقي أياما ومات ، وأخذ القاتل فشنق في السوق الذي قتل فيه ، وذلك يوم الأحد ثالث عشر ربيع الآخر ، ودفن هناك وقد جاوز الستين .

الشرف صالح بن محمد بن عربشاه بن أبي بكر الهمذاني ، مات في جمادى الآخرة ، ودفن بمقابر النيرب ، وكان مشهورا بطيب القراءة ، وحسن السيرة ، وقد سمع الحديث ، وروى " جزء ابن عرفة " .

صاحب " التذكرة الكندية " الشيخ الإمام ، المقرئ ، المحدث ، النحوي ، الأديب ، علاء الدين علي بن المظفر بن إبراهيم بن عمر بن زيد بن هبة الله الكندي الإسكندراني ثم الدمشقي ، سمع الحديث على أزيد من مائتي شيخ ، وقرأ القراءات السبع ، وحصل علوما جيدة ، ونظم الشعر الحسن الرائق الفائق ، وجمع كتابا في نحو من خمسين مجلدا ، فيه علوم جمة ، أكثرها أدبيات ، سماه " التذكرة الكندية " ، وقفها بالسميساطية ، وكتب حسنا ، وحسب جيدا ، وخدم في عدة خدم ، وولي مشيخة دار الحديث النفيسية في مدة عشر سنين ، وقرأ [ ص: 157 ] " صحيح البخاري " مرات عديدة ، وأسمع الحديث ، وكان يلوذ بشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتوفي ببستانه عند قبة المسجف ليلة الأربعاء سابع عشر رجب ، ودفن بالمزة عن ست وسبعين سنة .

الطواشي ظهير الدين مختار البلبيسي ، الخزندار بالقلعة ، وأحد أمراء الطبلخاناه بدمشق ، كان زكيا ، خيرا ، فاضلا ، يحفظ القرآن ، ويؤديه بصوت طيب ، ووقف مكتبا للأيتام على باب قلعة دمشق ، ورتب لهم الكسوة والجامكية ، وكان يمتحنهم بنفسه ، ويفرح بهم ، وعمل له تربة خارج باب الجابية ، ووقف عليها المقرئين ، وبنى عندها مسجدا حسنا ، ووقفه بإمام ، وهي من أوائل ما عمل من الترب بذلك الخط ، ودفن بها في يوم الخميس عاشر شعبان ، رحمه الله ، وكان حسن الشكل والأخلاق ، عليه سكينة ووقار وهيبة ، وله وجاهة في الدولة ، سامحه الله ، وولي بعده الخزانة سميه ظهير الدين مختار الزرعي .

الأمير بدر الدين محمد بن الوزيري ، كان من الأمراء المقدمين ، ولديه فضيلة ومعرفة وخبرة ، وقد ناب عن السلطان بدار العدل مرة بمصر ، وكان [ ص: 158 ] حاجب الميسرة ، وتكلم في الأوقاف ، وفيما يتعلق بالقضاة والمدرسين ، ثم نقل إلى دمشق ، فمات بها في سادس عشر شعبان ، ودفن بميدان الحصا فوق خان النجيبي ، وخلف تركة عظيمة .

الشيخة الصالحة ، ست الوزراء بنت عمر بن أسعد بن المنجا ، راوية " صحيح البخاري " ، وغيره ، جاوزت التسعين سنة ، وكانت من الصالحات ، توفيت ليلة الخميس ثامن عشر شعبان ، ودفنت بتربتهم بالقرب من الجامع المظفري بقاسيون .

القاضي محب الدين أبو الحسن علي ابن قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العيد ، استنابه أبوه في أيامه ، وزوجه بابنة الحاكم بأمر الله ، ودرس بالكهارية ، ورأس بعد أبيه ، وكانت وفاته يوم الاثنين تاسع عشر رمضان ، وقد قارب الستين ، ودفن عند أبيه بالقرافة .

[ ص: 159 ] الشيخة الصالحة المعمرة ، ست النعم بنت عبد الرحمن بن علي بن عبدوس الحرانية ، والدة الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، عمرت فوق السبعين سنة ، وكانت من الصالحات ، ولدت تسعة بنين ، ولم ترزق بنتا قط ، توفيت يوم الأربعاء العشرين من شوال ، ودفنت بالصوفية ، وحضر جنازتها خلق كثير ، وجم غفير ، رحمها الله .

الشيخ نجم الدين موسى بن علي بن محمد الحلبي ثم الدمشقي ، الكاتب الفاضل المعروف بابن البصيص ، شيخ صناعة الكتابة في زمانه ، لا سيما في المزوج والمثلث ، وقد أقام يكتب الناس خمسين سنة ، وأنا ممن كتب عليه ، أثابه الله الجنة ، وكان شيخا حسنا بهي المنظر ، يشعر جيدا ، توفي يوم الثلاثاء عاشر ذي القعدة ، ودفن بمقابر باب الصغير ، وله خمس وستون سنة .

الشيخ تقي الدين الموصلي ، أبو بكر بن محمد بن أبي بكر بن أبي الكرم ، شيخ القراءة عند محراب الصحابة ، وشيخ ميعاد ابن عامر مدة طويلة ، وقد انتفع الناس به نحوا من خمسين سنة في التلقين والقراءات ، وختم خلقا كثيرا ، وكان يقصد لذلك ، ويجمع تصديقات يقولها الصبيان ليالي ختمهم ، وقد سمع الحديث ، وكان خيرا دينا ، توفي ليلة الثلاثاء سابع عشر ذي [ ص: 160 ] القعدة ، ودفن بمقابر باب الصغير ، رحمه الله .

الشيخ الصالح ، الزاهد ، المقرئ ، أبو عبد الله محمد بن الخطيب سلامة بن سالم بن الحسن بن ينبوب الماليني ، أحد الصلحاء المشهورين بجامع دمشق ، سمع الحديث ، وأقرأ الناس نحوا من خمسين سنة ، وكان يفصح الأولاد في الحروف الصعبة ، وكان مبتلى في فمه ، يحمل طاسة تحت فمه من كثرة ما يسيل منه من الريال وغيره ، وقد جاوز الثمانين بأربع سنين ، توفي بالمدرسة الصارمية يوم الأحد ثاني عشرين ذي القعدة ، ودفن بباب الصغير بالقرب من القلندرية ، وحضر جنازته خلق كثير جدا نحو من عشرة آلاف ، رحمه الله تعالى .

الشيخ صدر الدين بن الوكيل ، هو العلامة أبو عبد الله محمد بن الشيخ الإمام مفتي المسلمين زين الدين عمر بن مكي بن عبد الصمد ، المعروف بابن المرحل وبابن الوكيل ، شيخ الشافعية في زمانه ، وأشهرهم في وقته بالفضيلة ، وكثرة الاشتغال ، والمطالعة ، والتحصيل ، والافتنان في العلوم العديدة ، وقد أجاد معرفة المذهب والأصلين ، ولم يكن في النحو بذاك القوي ، فكان يقع منه اللحن [ ص: 161 ] الكثير ، مع أنه قرأ فيه " المفصل " للزمخشري ، وكانت له محفوظات كثيرة ، ولد في شوال سنة خمس وستين وستمائة ، وسمع الحديث على المشايخ ، من ذلك " مسند الإمام أحمد " على ابن علان ، و " الكتب الستة " ، وقرئ عليه قطعة كبيرة من " صحيح مسلم " بدار الحديث عن الأمير الإربلي ، والعامري ، والمزي ، وكان يتكلم على الحديث بكلام مجموع من علوم كثيرة من الطب والفلسفة وعلم الكلام - وليس ذلك بعلم - وعلوم الأوائل ، وكان يكثر من ذلك ، وكان يقول الشعر جيدا ، وله ديوان مجموع مشتمل على أشياء لطيفة ، وكان له أصحاب يحسدونه ويحبونه ، وآخرون يحسدونه ويبغضونه ، وكانوا يتكلمون فيه بأشياء ، ويرمونه بالعظائم ، وقد كان مسرفا على نفسه ، قد ألقى جلباب الحياء فيما يتعاطاه من القاذورات والفواحش ، وكان ينصب العداوة للشيخ ابن تيمية ، ويناظره في كثير من المحافل والمجالس ، وكان يعترف للشيخ تقي الدين بالعلوم الباهرة ويثني عليه ، ولكنه كان يجاحف عن مذهبه وناحيته وهواه ، وينافح عن طائفته ، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يثني عليه ، وعلى علومه ، وفضائله ، ويشهد له بالإسلام إذا قيل له عن أفعاله وأعماله القبيحة ، وكان يقول : كان مخلطا على نفسه ، متبعا مراد الشيطان منه ، يميل إلى الشهوة والمحاضرة ، ولم يكن كما يقول فيه بعض أصحابه ممن يحسده ويتكلم فيه . هذا أو ما هو في معناه . وقد درس بعدة مدارس بمصر والشام ، فدرس بدمشق بالشاميتين ، والعذراوية ، ودار الحديث الأشرفية ، وولي في وقت الخطابة أياما يسيرة كما تقدم ، ثم قام الخلق عليه وأخرجوها من يده ، ولم يرق منبرها ، ثم خالط نائب السلطنة الأفرم ، فجرت له أمور لا يحسن ذكرها ، ولا يرشد أمرها ، ثم آل به الحال على أن عزم على الانتقال من دمشق إلى حلب [ ص: 162 ] لاستحواذه على قلب نائبها ، فأقام بها ودرس ، ثم تردد في الرسلية بين السلطان ومهنا صحبة أرغون وألطنبغا ، ثم استقر به المنزل بمصر ، ودرس فيها بمشهد الحسين إلى أن توفي بها بكرة نهار الأربعاء رابع عشرين ذي الحجة ، بداره ، قريبا من جامع الحاكم ، ودفن من يومه قريبا من الشيخ محمد بن أبي حمزة بتربة القاضي ناظر الجيش بالقرافة ، ولما بلغت وفاته دمشق صلي عليه بجامعها صلاة الغائب بعد الجمعة ثالث المحرم من السنة الآتية ، ورثاه جماعة منهم ابن غانم علاء الدين ، والقحفازي ، والصفدي ؛ لأنهم كانوا من عشرائه .

وفي يوم عرفة توفي الشيخ عماد الدين إسماعيل بن عبد الله الفوعي ، وكيل قجليس ، وهو الذي بنى له الباشورة على باب الصغير بالبرانية الغربية ، وكانت فيه نهضة وكفاية ، وكان من بيت الرفض ، اتفق أنه استحضره نائب السلطنة فضربه بين يديه ، وقام النائب إليه بنفسه فجعل يضربه بالمهاميز في وجهه ، فرفع من بين يديه وهو تالف ، فمات في يوم عرفة ، ودفن من يومه بسفح قاسيون ، وله دار ظاهر باب الفراديس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث