الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب بيع المصراة

جزء التالي صفحة
السابق

باب المصراة ، وغير ذلك . التصرية : جمع اللبن في الضرع . يقال : صرى الشاة ، وصرى اللبن في ضرع الشاة ، بالتشديد والتخفيف . ويقال : صرى الماء في الحوض ، وصرى الطعام في فيه ، وصرى الماء في ظهره .

إذا ترك الجماع . وأنشد أبو عبيدة

: رأت غلاما قد صرى في فقرته ماء الشباب عنفوان شرته

وماء صرى ، وصر ، إذا طال استنقاعه . قال البخاري : أصل التصرية حبس الماء ، يقال : صريت الماء .

ويقال للمصراة : المحفلة . وهو من الجمع أيضا ، ومنه سميت مجامع الناس محافل والتصرية حرام إذا أراد بذلك التدليس على المشتري لقول النبي صلى الله عليه وسلم { : لا تصروا } . وقوله { : من غشنا فليس منا } وروى ابن ماجه ، في سننه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : { بيع المحفلات خلابة ، ولا تحل الخلابة لمسلم . } رواه ابن عبد البر ، { : ولا يحل خلابة لمسلم . }

( 2984 ) مسألة ; قال : ( وإذا اشترى مصراة وهو لا يعلم ، فهو بالخيار بين أن يقبلها أو يردها وصاعا من تمر ) . الكلام في هذه المسألة في فصول ثلاثة ( 2985 ) ، الأول ، أن من اشترى مصراة من بهيمة الأنعام ، لم يعلم تصريتها ، ثم علم . فله الخيار في الرد والإمساك .

روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وأنس وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى [ ص: 104 ] والشافعي وإسحاق وأبو يوسف ، وعامة أهل العلم ، وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا خيار له ; لأن ذلك ليس بعيب ; بدليل أنه لو لم تكن مصراة ، فوجدها أقل لبنا من أمثالها لم يملك ردها ، والتدليس بما ليس بعيب لا يثبت الخيار ، كما لو علفها فانتفخ بطنها ، فظن المشتري أنها حامل .

ولنا ، ما روى أبو هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : { لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها إن شاء أمسكها ، وإن شاء ردها وصاعا من تمر } متفق عليه ، وروى ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { : من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام ، إن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا } . رواه أبو داود . ولأن هذا تدليس بما يختلف الثمن باختلافه ، فوجب به الرد ، كما لو كانت شمطاء ، فسود شعرها .

وقياسهم يبطل بتسويد الشعر ، فإن بياضه ليس بعيب كالكبر ، وإذا دلسه ثبت له الخيار ، وأما انتفاخ البطن ، فقد يكون من الأكل والشرب ، فلا معنى لحمله على الحمل ، وعلى أن هذا القياس يخالف النص ، واتباع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى . إذا تقرر هذا ، فإنما يثبت الخيار بشرط أن لا يكون المشتري عالما بالتصرية ، فإن كان عالما ، لم يثبت له الخيار .

وقال أصحاب الشافعي يثبت له الخيار في وجه ; للخبر ، ولأن انقطاع اللبن لم يوجد ، وقد يبقى على حاله ، فلم يجعل ذلك رضى ، كما لو تزوجت عنينا ، ثم طلبت الفسخ . ولنا ، أنه اشتراها عالما بالتدليس ، فلم يكن له خيار ، كما لو اشترى من سود شعرها عالما بذلك ، ولأنه دخل على بصيرة فلم يثبت له الرد ، كما لو اشترى معيبا يعلم عيبه ، وبقاء اللبن على حاله نادر بعيد ، لا يعلق عليه حكم ، والأصل الذي قاسوا عليه ممنوع . ولو اشترى مصراة فصار لبنها عادة ، واستمر على كثرته ، لم يكن له الرد .

وقال أصحاب الشافعي له الرد ، في أحد الوجهين ; للخبر ، ولأن التدليس كان موجودا حال العقد ، فأثبت الرد ، كما لو نقص اللبن . ولنا ، أن الرد جعل لدفع الضرر بنقص اللبن ، ولم يوجد ، فامتنع الرد ، ولأن العيب لم يوجد ، ولم تختلف صفة المبيع عن حالة العقد ، فلم يثبت التدليس ، ولأن الخيار ثبت لدفع الضرر ، ولم يوجد ضرر .

( 2986 ) الفصل الثاني ، أنه إذا رد ، لزمه رد ، بدل اللبن . وهذا قول كل من جوز ردها ، وهو مقدر في الشرع بصاع من تمر ، كما في الحديث الصحيح الذي أوردناه ، وهذا قول الليث وإسحاق والشافعي وأبي عبيد وأبي ثور وذهب مالك ، وبعض الشافعية ، إلى أن الواجب صاع من غالب قوت البلد ، لأن في بعض الحديث : " ورد معها صاعا من طعام " .

وفي بعضها : " ورد معها مثلي أو ميلي لبنها قمحا " فجمع بين الأحاديث ، وجعل تنصيصه على التمر ; لأنه غالب قوت البلد في المدينة ، ونص على القمح ; لأنه غالب قوت بلد آخر . وقال أبو يوسف : يرد قيمة اللبن ; لأنه ضمان متلف ، فكان مقدرا بقيمته ، كسائر المتلفات ، وحكي ذلك عن ابن أبي ليلى وحكي عن زفر أنه يرد صاعا من تمر ، أو نصف صاع من بر بناء على قولهم في الفطرة والكفارة . ولنا ، الحديث الصحيح الذي أوردناه ، وهو المعتمد عليه في هذه المسألة .

وقد نص فيه على التمر فقال { : إن شاء ردها وصاعا من تمر } . وفي لفظ للبخاري { : من اشترى غنما مصراة فاحتلبها ، فإن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر } وفي لفظ لمسلم ، رواه ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم { : ورد صاعا [ ص: 105 ] من تمر لا سمراء } وفي لفظ له : { طعاما لا سمراء } يعني لا يرد قمحا .

والمراد بالطعام هاهنا التمر ; لأنه مطلق في أحد الحديثين ، مقيد في الآخر ، في قضية واحدة والمطلق فيما هذا سبيله يحمل على المقيد . وحديث ابن عمر مطرح الظاهر بالاتفاق ; إذ لا قائل بإيجاب مثل لبنها أو مثلي لبنها قمحا ، ثم قد شك فيه الراوي ، وخالفته الأحاديث الصحاح ، فلا يعول عليه . وقياس أبي يوسف مخالف للنص ، فلا يلتفت إليه ولا يبعد أن يقدر الشرع ، بدل هذا المتلف ، قطعا للخصومة ، ودفعا للتنازع ، كما قدر بدل الآدمي ودية أطرافه ، ولا يمكن حمل الحديث على أن الصاع كان قيمة اللبن ، فلذلك أوجبه ، لوجوه ثلاثة : أحدها ، أن القيمة هي الأثمان لا التمر . الثاني ، أنه أوجب في المصراة من الإبل والغنم جميعا صاعا من تمر ، مع اختلاف لبنها .

الثالث ، أن لفظه للعموم ، فيتناول كل مصراة ، ولا يتفق أن تكون قيمة لبن كل مصراة صاعا ، وإن أمكن أن يكون كذلك ، فيتعين إيجاب الصاع ; لأنه القيمة التي عين الشارع إيجابها ; فلا يجوز أن يعدل عنها ، وإذ قد ثبت هذا ، فإنه يجب أن يكون الصاع من التمر جيدا ، غير معيب ; لأنه واجب بإطلاق الشارع ، فينصرف إلى ما ذكرناه ، كالصاع الواجب في الفطرة . ولا يحب أن يكون من الأجود ، بل يجوز أن يكن من أدني ما يقع عليه اسم الجيد .

ولا فرق بين أن تكون قيمة التمر مثل قيمة الشاة ، أو أقل ، أو أكثر ، نص عليه أحمد . وليس هذا جمعا بين البدل والمبدل ; لأن التمر بدل اللبن ، قدره الشرع به ، كما قدر في يدي العبد قيمته ، وفي يديه ورجليه قيمته مرتين ، مع بقاء العبد على ملك سيده . وإن عدم التمر في موضعه ، فعليه قيمته في الموضع الذي وقع عليه العقد ; لأنه بمثابة عين أتلفها ، فيجب عليه قيمتها .

( 2987 ) فصل : وإن علم بالتصرية قبل حلبها ، مثل أن أقر به البائع ، أو شهد به من تقبل شهادته ، فله ردها ، ولا شيء معها ; لأن التمر إنما وجب بدلا للبن المحتلب ، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من اشترى غنما مصراة فاحتلبها ، فإن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ، ففي حلبتها صاع من تمر } . ولم يأخذ لها لبنا هاهنا ، فلم يلزمه رد شيء معها . وهذا قول مالك .

قال ابن عبد البر : هذا ما لا خلاف فيه . وأما لو احتلبها وترك اللبن بحاله ثم ردها ، رد لبنها ، ولا يلزمه أيضا بشيء ; لأن المبيع إذا كان موجودا فرده ، لم يلزمه بدله . فإن أبى البائع قبوله ، وطلب التمر ، لم يكن له ذلك ، إذا كان بحاله لم يتغير . وقيل : لا يلزمه قبوله ; لظاهر الخبر ، ولأنه قد نقص بالحلب ، وكونه في الضرع أحفظ له . ولنا ، أنه قدر على رد المبدل ، فلم يلزمه البدل ، كسائر المبدلات مع أبدالها . والحديث المراد به رد التمر حالة عدم اللبن ; لقوله { : ففي حلبتها صاع من تمر } . ولما ذكرنا من المعنى .

وقولهم إن الضرع أحفظ له . لا يصح ; لأنه لا يمكن إبقاؤه في الضرع على الدوام ، وبقاؤه يضر بالحيوان . وإن كان اللبن قد تغير ، ففيه وجهان ; أحدهما ، لا يلزمه قبوله . وهذا قول مالك ; للخبر ، ولأنه قد نقص بالحموضة ، أشبه ما لو أتلفه . والثاني ، يلزمه قبوله لأن النقص حصل بإسلام المبيع ، وبتغرير البائع ، وتسليطه على حلبه ، فلم يمنع الرد ، كلبن غير المصراة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث