الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 291 ] باب تفريق صفقة البيع وجمعها

مسألة : قال المزني رحمه الله تعالى : " اختلف قول الشافعي رحمه الله في تفريق الصفقة وجمعها ، وبيضت له موضعا لأجمع فيه شرح أولى قوليه فيه إن شاء الله ، قال الشافعي رحمه الله في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى : وإذا اشترى ثوبين صفقة واحدة فهلك في يده ووجد بالآخر عيبا ، واختلفا في ثمن الثوب ، فقال البائع : قيمته عشرة . وقال المشتري : قيمته ثمانية . فالقول قول البائع من قبل أن الثمن كله قد لزم المشتري ، فإن أراد رد الثوب بأكثر من الثمن أو أراد الرجوع بالعيب بأكثر من الثمن فلا يعطيه بقوله الزيادة .

وقال في كتاب الصلح أنه كالبيع ، وقال فيه في موضعين مختلفين : إن صالحه من دار بمائة وبعبد ثمنه مائة ثم وجد به عيبا أن له الخيار إن شاء رد العبد وأخذ المائة بنصف الصلح ويسترد نصف الدار : لأن الصفقة وقعت على شيئين . وقال في نشوز الرجل على المرأة ، وفي كتاب الشروط : لو اشترى عبدا واستحق نصفه إن شاء رد الثمن وإن شاء أخذ نصفه بنصف الثمن . وقال في الشفعة : إن اشترى شقصا وعرضا صفقة واحدة أخذت الشفعة بحصتها من الثمن . وقال في الإملاء على مسائل مالك : وإذا صرف دينارا بعشرين درهما فقبض تسعة عشر درهما ، ولم يجد درهما فلا بأس أن يأخذ التسعة عشر بحصتها من الدينار ، ويتناقضه البيع بحصة الدرهم ، ثم إن شاء اشترى منه بحصة الدينار ما شاء يتقابضانه قبل التفرق أو تركه عمدا متى شاء أخذه . وقال في كتاب البيوع الجديد الأول : لو اشترى بمائة دينار مائة صاع تمر ومائة صاع حنطة ومائة صاع علس جاز ، وكل صنف منها بقيمته من المائة . وقال في الإملاء على مسائل مالك المجموعة : وإذا جمعت الصفقة برديا وعجوة بعشرة وقيمة البردي خمسة أسداس الثمن وقيمة العجوة سدس العشرة فالبردي بخمسة أسداس الثمن والعجوة بسدس الثمن ، وبهذا المعنى قال في الإملاء : لا يجوز ذهب جيد ورديء بذهب وسط ، ولا تمر جيد ورديء بتمر وسط : لأن لكل واحد من الصنفين حصة في القيمة فيكون الذهب بالذهب ، والتمر بالتمر مجهولا ، وبهذا المعنى قال : لا يجوز أن يسلف مائة دينار في مائة صاع تمر ومائة صاع حنطة : لأن ثمن كل واحد منهما مجهول . وقال في الإملاء على مسائل مالك المجموعة إن الصفقة [ ص: 292 ] إذا جمعت شيئين مختلفين فكل واحد منهما بحصته من الثمن . وقال في بعض كتبه : لو ابتاع غنما حال عليها الحول المصدق الصدقة منها فللمشتري الخيار في رد البيع : لأنه لم يسلم له كما اشترى كاملا أو يأخذ ما بقي بحصته من الثمن . وقال : إن أسلف في رطب فنفد رجع بحصة ما بقي وإن شاء أخر إلى قابل . وقال في كتاب الصداق : ولو أصدق أربع نسوة ألفا قدمت على مهورهن ، قال : ولو أصدقها عبدا فاستحق نصفه كان الخيار لها ، أن تأخذ نصفه والرجوع بنصف قيمته أو الرد ( قال المزني رحمه الله ) فأما قيمة ما استحق من العبد فهذا غلط في معناه وكيف تأخذ قيمة ما لم تملكه قط ؟ بل قياس قوله هذا ترجع بنصف مهر مثلها كما لو استحق كله كان لها مهر مثلها . وقال في الإملاء على الموطأ : ولو اشترى جارية أو جاريتين فأصاب بإحداهما عيبا ، فليس له أن يردها بحصتها من الثمن ، وذلك أنها صفقة واحدة فلا ترد إلا معا ، كما يكون له لو بيع من دار ألف سهم وهو شفيعها أن يأخذ بعض السهمان دون بعض ، وإنما منعت أن يرد المعيب بحصته من الثمن أنه وقع غير معلوم القيمة وإنما يعلم بعد ، وأي شيء عقداه برضاهما عليه كذلك كان فاسدا ، لا يجوز أن أقول أشتري منك الجارية بهاتين الجاريتين على أن كل واحدة منهما بقيمتها منها ، ولو سميت أيتهما أرفع لأن ذلك على أمر غير معلوم وقال فإن فاتت إحدى الجاريتين بموت أو بولادة لم يكن له رد التي بعيب ويرجع بقيمة العيب من الجارية كانت قيمة التي فاتت عشرين والتي بقيت ثلاثين وقيمة الجارية التي اشترى بها خمسون فصار حصة المعيبة من الجارية ثلاثة أخماسها وكان العيب ينقصها العشر فيرجع بعشر الثمن وهو ثلاثة . وقال في كتاب الإملاء على الموطأ : ولو صرف الدينار بالدراهم فوجد منها زائفا فهو بالخيار بين أخذه ورده ، وينقض الصرف لأنها صفقة واحدة . وقال فيه أيضا في موضع آخر : فإن كان الدرهم زائفا من قبل السكة أو قبح الفضة فلا بأس على المشتري في أن يقبله فإن رده رد الصرف كله : لأنها بيعة واحدة ، وإن زاف على أنه نحاس أو تبر غير فضة فلا يكون له أن يقبضه والبيع منتقض . وقال في كتاب الإملاء على مسائل مالك المجموعة : ولا يجوز بيع ذهب بذهب ، ولا ورق بورق ، ولا بشيء من المأكول أو المشروب إلا مثلا بمثل ، فإن تفرقا من مقامهما ، وبقي قبل أحد منهما شيء فسد ، وقال في كتاب الصلح : إنه كالبيع فإن صالحه من دار بمائة وبعبد قيمته مائة وأصاب بالعبد عيبا فليس له إلا أن ينقض الصلح كله أو يجيزه معا وقال في هذه المسألة بعينها ولو استحق العبد انتقض الصلح كله وقال في الصداق : فإذا ذهب بعض البيع لم أرد الباقي ، وقال : في كتاب المكاتب نصفه عبد ونصفه حر كان في معنى من باع ما يملك وما لا يملك وفسدت الكتابة ( قال المزني ) وهذا كله منع تفريق صفقة ( قال المزني ) فإذا اختلف قوله في الشيء [ ص: 293 ] الواحد تنافيا وكانا كلا معنى وكان أولاهما به ما أشبه قوله الذي لم يختلف قال وأخبرني بعض أصحابنا عن المزني رحمه الله أنه يختار الصفقة ويراه أولى قولي الشافعي " .

قال الماوردي : أما الصفقة فإنها عبارة عن العقد : لأن العادة من المتعاقدين جارية أن يصفق كل واحد منهما على يد صاحبه عند تمام العقد وانبرامه . وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لحكيم بن حزام : بارك الله لك في صفقتك . فالصفقة هي العقد ولا يخلو حالها إذا جمعت شيئين من ثلاثة أقسام : إما أن يكونا حلالين أو حرامين أو أحدهما حلالا والآخر حراما ، فإن كانا حلالين صح العقد فيهما ، وإن كانا من جنسين كرجل اشترى ثوبا وسيفا بدينار كان الثمن مقسطا على قيمتها ، وإن كانا من جنس واحد فعلى ضربين :

أحدهما : أن تكون أجزاؤهما مختلفة كرجل اشترى ثوبين بدينار أو عبدين ، فإن الثمن يتقسط على قيمتهما .

والثاني : أن تكون أجزاؤهما متماثلة كالحبوب والمائعات ، فإن الثمن يتقسط على أجزائهما .

وإن كانت الصفقة جمعت حرامين فالعقد باطل فيهما ، سواء كانا من جنسين كخنزير وزق خمر أو كانا من جنس واحد كزقين من خمر .

وإن كانت الصفقة جمعت حلالا وحراما كحر وعبد ، أو خل وخمر ، أو ملك وغصب ، فإن العقد في الحرام باطل ، وفي الحلال على قولين إلا أن يذكر قسط الحلال من الثمن فيصح : لأن تمييز ثمنه يجعله كالعقدين .

وقال أبو حنيفة : إن كان الحرام المضموم إلى الحلال ليس بمال كخل وخمر ، أو عبد وحر ، بطل العقد أيضا في الحلال ، وإن كان الحرام في حكم المال كعبد تملكه وعبد غصبه ، أو جاريته وأم ولده ، صح العقد في الحلال وإن بطل في الحرام ، وليس يفترق الحكم بذلك عندنا على القولين معا .

فإذا قلنا : ببطلان البيع في الحلال فله علتان :

أحدهما : أنه ببطلان البيع في الحرام يبطل من الثمن ما قابله فيصير الباقي بعده مجهولا ، وجهالة الثمن تبطل البيع ، فوجب أن يكون البيع الحلال باطلا لجهالة ثمنه .

والعلة الثانية : أنها لفظة واحدة قد جمعت حراما وحلالا ، وتبعيضها غير ممكن وتغليب أحد الحكمين واجب ، فكان تغليب حكم الحرام في إبطال العقد على الحرام أولى من تغليب الحلال في تصحيح العقد على الحلال : لأن تصحيح العقد على الحرام لا يجوز وإبطال العقد على الحلال يجوز ، وكان ذلك بمثابة بيع درهم بدرهمين ، لما كان الدرهم بالدرهم والدرهم حلالا ، الزائد حراما بطل البيع في الجميع تغليبا لحكم التحريم .

وإذا قلنا بصحة البيع في الحلال فوجهه شيئان :

أحدهما : أنه لما كان لو أفرد كل واحد منهما بالعقد خالفه حكم صاحبه وجب إذا [ ص: 294 ] جمع بينهما في العقد أن يخالف كل واحد منهما حكم صاحبه كالمشتري صفقة عبدا وشقصا فيه الشفعة .

والثاني : أنه لو كان الجمع بينهما يوجب حمل أحدهما على الآخر ، لم يكن حمل الصحة على البطلان بأولى من حمل البطلان على الصحة ، كالانفراد فوجب أن يسقط اعتبار أحدهما بالآخر : لتكافئ الأمرين ، ويحمل كل واحد منهما على مقتضاه في الحالين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث