الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون

( قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون )

قوله تعالى : ( قل ياقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون )

اعلم أنه لما بين بقوله : ( إن ما توعدون لآت ) أمر رسوله من بعده أن يهدد من ينكر البعث من الكفار ، فقال ( قل ياقوم اعملوا على مكانتكم ) وفيه مباحث :

البحث الأول : قرأ أبو بكر عن عاصم " مكاناتكم " بالألف ، على الجمع في كل القرآن ، والباقون " على مكانتكم " قال الواحدي : والوجه الإفراد؛ لأنه مصدر ، والمصادر في أكثر الأمر مفردة ، وقد تجمع أيضا في بعض الأحوال ، إلا أن الغالب هو الأول .

البحث الثاني : قال صاحب " الكشاف " : المكانة تكون مصدرا ، يقال : مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، وبمعنى المكان ، يقال : مكان ومكانة ، ومقام ومقامة ، فقوله : ( اعملوا على مكانتكم ) يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، ويحتمل أيضا أن يراد اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها، يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة : على مكانتك يا فلان ، أي اثبت على ما أنت عليه لا [ ص: 167 ] تنحرف عنه ( إني عامل ) أي أنا عامل على مكانتي ، التي عليها ، والمعنى : اثبتوا على كفركم وعداوتكم ، فإني ثابت على الإسلام ، وعلى مضارتكم ( فسوف تعلمون ) أينا له العاقبة المحمودة ، وطريقة هذا الأمر طريقة قوله : ( اعملوا ما شئتم ) وهي تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد .

البحث الثالث : من في قوله : ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) ذكر الفراء في موضعه من الإعراب وجهين :

الأول : أنه نصب لوقوع العلم عليه .

الثاني : أن يكون رفعا على معنى : تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار ، كقوله تعالى : ( لنعلم أي الحزبين ) [ الكهف : 12 ] .

البحث الرابع : قوله : ( فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار ) يوهم أن الكافر ليست له عاقبة الدار ، وذلك مشكل .

قلنا : العاقبة تكون على الكافر ولا تكون له ، كما يقال : له الكثرة ولهم الظفر ، وفي ضده يقال : عليكم الكثرة والظفر .

البحث الخامس : قرأ حمزة والكسائي ( من يكون ) بالياء وفي القصص أيضا والباقون بالتاء في السورتين . قال الواحدي : العاقبة مصدر كالعافية ، وتأنيثه غير حقيقي ، فمن أنث ، فكقوله : ( فأخذتهم الصيحة ) [ الحجر : 73 ] ومن ذكر فكقوله : ( وأخذ الذين ظلموا الصيحة ) [ هود : 67 ] وقال : ( قد جاءتكم موعظة من ربكم ) [ يونس : 57 ] وفي آية أخرى : ( فمن جاءه موعظة من ربه ) [ البقرة : 275 ] .

ثم قال تعالى : ( إنه لا يفلح الظالمون ) والغرض منه بيان أن قوله : ( اعملوا على مكانتكم ) تهديد وتخويف لا أنه أمر وطلب ، ومعناه : أن هؤلاء الكفار لا يفلحون ولا يفوزون بمطالبهم البتة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث