الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فذبحوها وما كادوا يفعلون "

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ( 71 ) )

قال أبو جعفر : يعني بقوله : ( فذبحوها ) ، فذبح قوم موسى البقرة ، التي وصفها الله لهم وأمرهم بذبحها .

ويعني بقوله : ( وما كادوا يفعلون ) ، أي : قاربوا أن يدعوا ذبحها ، ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك .

ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك . فقال بعضهم : ذلك السبب كان [ ص: 219 ] غلاء ثمن البقرة التي أمروا بذبحها ، وبينت لهم صفتها .

ذكر من قال ذلك :

1274 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا أبو معشر المدني ، عن محمد بن كعب القرظي في قوله : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) قال : لغلاء ثمنها .

1275 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد الهلالي قال ، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب قال ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ، قال : من كثرة قيمتها .

1276 - حدثنا القاسم قال ، أخبرنا الحسين قال ، حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد وحجاج ، عن أبي معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - في حديث فيه طول ، ذكر أن حديث بعضهم دخل في حديث بعض - قوله : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ، لكثرة الثمن ، أخذوها بملء مسكها ذهبا من مال المقتول ، فكان سواء لم يكن فيه فضل فذبحوها .

1277 - حدثت عن المنجاب قال ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) ، يقول : كادوا لا يفعلون ، ولم يكن الذي أرادوا ، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها : وكل شيء في القرآن " كاد " أو " كادوا " أو " لو " ، فإنه لا يكون . وهو مثل قوله : ( أكاد أخفيها ) [ طه : 20 ]

وقال آخرون : لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة ، إن أطلع الله على [ ص: 220 ] قاتل القتيل الذي اختصموا فيه إلى موسى .

قال أبو جعفر : والصواب من التأويل عندنا ، أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة ، للخلتين كلتيهما : إحداهما غلاء ثمنها ، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها ; والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم ، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه - على قاتله .

فأما غلاء ثمنها ، فإنه قد روي لنا فيه ضروب من الروايات .

1278 - فحدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي قال : اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا ، فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها .

1279 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا المعتمر بن سليمان قال ، سمعت أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة قال : اشتروها بملء جلدها دنانير .

1280 - حدثني محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قال : كانت البقرة لرجل يبر أمه ، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له ، فباعها بملء جلدها ذهبا .

1281 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل قال ، حدثني خالد بن يزيد ، عن مجاهد قال : أعطوا صاحبها ملء مسكها ذهبا فباعها منهم .

1282 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا إسماعيل ، بن عبد الكريم قال ، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول : اشتروها منه على أن يملئوا له جلدها دنانير ، ثم ذبحوها فعمدوا إلى جلد البقرة فملئوه دنانير ، ثم دفعوها إليه .

1283 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي [ ص: 221 ] قال حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : وجدوها عند رجل يزعم أنه ليس بائعها بمال أبدا ، فلم يزالوا به حتى جعلوا له أن يسلخوا له مسكها فيملئوه له دنانير ، فرضي به فأعطاهم إياها .

1284 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية قال : لم يجدوها إلا عند عجوز ، وإنها سألتهم أضعاف ثمنها ، فقال لهم موسى : أعطوها رضاها وحكمها . ففعلوا ، واشتروها فذبحوها .

1285 - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر قال ، قال أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قال : لم يجدوا هذه البقرة إلا عند رجل واحد ، فباعها بوزنها ذهبا ، أو ملء مسكها ذهبا - فذبحوها .

1286 - حدثني المثنى قال ، حدثنا آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني قال : وجدوا البقرة عند رجل ، فقال : إني لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا ، فاشتروها بملء جلدها ذهبا .

1287 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : جعلوا يزيدون صاحبها حتى ملئوا له مسكها - وهو جلدها - ذهبا .

وأما صغر خطرها وقلة قيمتها ، فإن الحسن بن يحيى : -

1288 - حدثنا قال ، حدثنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا ابن عيينة قال ، حدثني محمد بن سوقة ، عن عكرمة قال : ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير .

وأما ما قلنا من خوفهم الفضيحة على أنفسهم ، فإن وهب بن منبه كان يقول : إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة ، إنما قالوا لموسى : ( أتتخذنا هزوا ) ، لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت ، فحادوا عن ذبحها .

1289 - حدثت بذلك عن إسماعيل بن عبد الكريم ، عن عبد الصمد بن معقل ، عن وهب بن منبه .

وكان ابن عباس يقول : إن القوم ، بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله ، [ ص: 222 ] أنكرت قتلته قتله ، فقالوا : والله ما قتلناه ; بعد أن رأوا الآية والحق .

1290 - حدثني بذلك محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث