الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون

أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون .

هو في الاستئناف كقوله : ( أتتركون ) في قصة ثمود . والإتيان : كناية . والذكران : جمع ذكر وهو ضد الأنثى . وقوله : ( من العالمين ) الأظهر فيه أنه في [ ص: 179 ] موضع الحال من الواو في ( أتأتون ) . و ( من ) فصلية ، أي : تفيد معنى الفصل بين متخالفين بحيث لا يماثل أحدهما الآخر . فالمعنى : مفصولين من العالمين لا يماثلكم في ذلك صنف من العالمين . وهذا المعنى جوزه في الكشاف ثانيا وهو أوفق بمعنى ( العالمين ) الذي المختار فيه أنه جمع ( عالم ) بمعنى النوع من المخلوقات كما تقدم في سورة الفاتحة .

وإثبات معنى الفصل لحرف ( من ) قاله ابن مالك ، ومثل بقوله تعالى : والله يعلم المفسد من المصلح ، وقوله : ليميز الله الخبيث من الطيب . ونظر فيه ابن هشام في مغني اللبيب وهو معنى رشيق متوسط بين معنى الابتداء ومعنى البدلية وليس أحدهما . وقد تقدم بيانه عند قوله تعالى : والله يعلم المفسد من المصلح في سورة البقرة .

والمعنى : أتأتون الذكران مخالفين جميع العالمين من الأنواع التي فيها ذكور وإناث فإنها لا يوجد فيها ما يأتي الذكور .

فهذا تنبيه على أن هذا الفعل الفظيع مخالف للفطرة لا يقع من الحيوان العجم ، فهو عمل ابتدعوه ما فعله غيرهم ، ونحوه قوله تعالى في الآية الأخرى : إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين .

والمراد بالأزواج : الإناث من نوع ، وإطلاق اسم الأزواج عليهن مجاز مرسل بعلاقة الأول ، ففي هذا المجاز تعريض بأنه يرجو ارعواءهم .

وفي قوله : ( ما خلق لكم ربكم ) إيماء إلى الاستدلال بالصلاحية الفطرية لعمل على بطلان عمل يضاده ; لأنه مناف للفطرة . فهو من تغيير الشيطان وإفساده لسنة الخلق والتكوين قال تعالى حكاية عنه : ولآمرنهم فليغيرن خلق الله .

و ( بل ) لإضراب الانتقال من مقام الموعظة والاستدلال إلى مقام الذم تغليظا للإنكار بعد لينه ; لأن شرف الرسالة يقتضي الإعلان بتغيير المنكر والأخذ بأصرح مراتب الإعلان فإنه إن استطاع بلسانه غليظ الإنكار لا ينزل منه إلى لينه وأنه يبتدئ باللين فإن لم ينفع انتقل منه إلى ما هو أشد ولذلك انتقل لوط من قوله : [ ص: 180 ] أتأتون الذكران إلى قوله : بل أنتم قوم عادون .

وفي الإتيان بالجملة الاسمية في قوله : ( أنتم قوم عادون ) دون أن يقول : بل كنتم عادين ، مبالغة في تحقيق نسبة العدوان إليهم . وفي جعل الخبر ( قوم عادون ) دون اقتصار على ( عادون ) تنبيه على أن العدوان سجية فيهم حتى كأنه من مقومات قوميتهم كما تقدم في قوله تعالى : لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة .

والعادي : هو الذي تجاوز حد الحق إلى الباطل ، يقال : عدا عليه ، أي : ظلمه ، وعدوانهم خروجهم عن الحد الموضوع بوضع الفطرة إلى ما هو مناف لها محفوف بمفاسد التغيير للطبع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث