الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا

[ ص: 186 ] قالوا إنما أنت من المسحرين وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين قال ربي أعلم بما تعملون .

نفوا رسالته عن الله كناية وتصريحا فزعموه مسحورا ، أي : مختل الإدراك والتصورات من جراء سحر سلط عليه . وذلك كناية عن بطلان أن يكون ما جاء به رسالة عن الله . وفي صيغة ( من المسحرين ) من المبالغة ما تقدم في قوله ( من المرجومين ، من المسحرين ، من المخرجين ) .

والإتيان بواو العطف في قوله ( وما أنت إلا بشر مثلنا ) يجعل كونه بشرا إبطالا ثانيا لرسالته . وترك العطف في قصة ثمود يجعل كونه بشرا حجة على أن ما يصدر منه ليس وحيا على الله بل هو من تأثير كونه مسحورا . فمآل معنيي الآيتين متحد ولكن طريق إفادته مختلف وذلك على حسب أسلوب الحكايتين .

وأطلق الظن على اليقين في ( وإن نظنك لمن الكاذبين ) وهو إطلاق شائع كقوله : الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ، وقرينته هنا دخول اللام على المفعول الثاني ل ( ظن ) ; لأن أصلها لام قسم .

و ( إن ) مخففة من الثقيلة ، واللام في ( لمن الكاذبين ) اللام الفارقة ، وحقها أن تدخل على ما أصله الخبر فيقال هنا مثلا : وإن أنت لمن الكاذبين ، لكن العرب توسعوا في المخففة فكثيرا ما يدخلونها على الفعل الناسخ لشدة اختصاصه بالمبتدأ والخبر فيجتمع في الجملة حينئذ ناسخان مثل قوله تعالى : وإن كانت لكبيرة وكان أصل التركيب في مثله : ونظن أنك لمن الكاذبين ، فوقع تقديم وتأخير لأجل تصدير حرف التوكيد ; لأن ( إن ) وأخواتها لها صدر الكلام ما عدا ( أن ) المفتوحة . وأحسب أنهم ما يخففون ( إن ) إلا عند إرادة الجمع بينها وبين فعل من النواسخ على طريقة التنازع ، فالذي يقول : إن أظنك لخائفا ، أراد أن يقول : أظن أنك لخائف ، فقدم ( إن ) وخففها وصير خبرها مفعولا لفعل الظن ، فصار : إن أظنك لخائفا ، والكوفيون يجعلون ( إن ) في مثل هذا الموقع حرف نفي ويجعلون اللام بمعنى ( إلا ) .

[ ص: 187 ] والأمر في ( فأسقط ) أمر تعجيز .

والكسف بكسر الكاف وسكون السين في قراءة من عدا حفصا : القطعة من الشيء . وقال في الكشاف : هو جمع كسفة مثل قطع وسدر . والأول أظهر قال تعالى : وإن يروا كسفا من السماء ساقطا .

وقرأ حفص ( كسفا ) بكسر الكاف وفتح السين على أنه جمع ( كسف ) كما في قوله أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا ، وقد تقدم في سورة الإسراء .

وقولهم : إن كنت من الصادقين كقول ثمود : فأت بآية إن كنت من الصادقين إلا أن هؤلاء عينوا الآية فيحتمل أن تعيينها اقتراح منهم ، ويحتمل أن شعيبا أنذرهم بكسف يأتي فيه عذاب . وذلك هو يوم الظلة المذكور في هذه الآية ، فكان جواب شعيب بإسناد العلم إلى الله فهو العالم بما يستحقونه من العذاب ومقداره . و ( أعلم ) هنا مبالغة في العالم وليس هو بتفضيل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث