الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حديث لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم

71 - الحديث الثاني : عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول { لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم } .

72 - ولمسلم { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي صفوفنا ، حتى كأنما يسوي بها القداح ، حتى إذا رأى أن قد عقلنا عنه ، ثم خرج يوما فقام ، حتى إذا كاد أن يكبر ، فرأى رجلا باديا صدره ، فقال : عباد الله ، لتسون [ ص: 220 ] صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم } .

التالي السابق


" النعمان بن بشير بفتح الباء وكسر الشين المعجمة ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري . ولد قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمان - أو ست سنوات . قال أبو عمر : والأول أصح إن شاء الله تعالى . قتل سنة أربع وستين بمرج راهط .

تسوية الصفوف : قد تقدم الكلام عليها . وقوله " أو ليخالفن الله بين وجوهكم " معناه : إن لم تسووا ; لأنه قابل بين التسوية وبينه ، أي الواقع أحد الأمرين : إما التسوية ، أو المخالفة . وكان يظهر لي في قوله " أو ليخالفن الله بين وجوهكم " أنه راجع إلى اختلاف القلوب ، وتغير بعضهم على بعض فإن تقدم إنسان على الشخص ، أو على الجماعة وتخليفه إياهم ، من غير أن يكون مقاما للإمامة بهم : قد يوغر صدورهم . وهو موجب لاختلاف قلوبهم . فعبر عنه بمخالفة وجوههم ; لأن المختلفين في التباعد والتقارب يأخذ كل واحد منهما غير وجه الآخر . فإن شئت بعد ذلك أن تجعل " الوجه " بمعنى " الجهة " وإن شئت أن تجعل " الوجه " معبرا به عن اختلاف المقاصد وتباين النفوس . فإن من تباعد عن غيره وتنافر ، زوى وجهه عنه . فيكون المقصود : التحذير من وقوع التباغض والتنافر . وقال القاضي عياض رحمه الله في قوله " أو ليخالفن الله بين وجوهكم " يحتمل أنه كقوله " أن يحول الله صورته صورة حمار " فيخالف بصفتهم إلى غيرها من المسوخ ، أو يخالف بوجه من لم يقم صفه ويغير صورته عن وجه من أقامه ، أو يخالف باختلاف صورها بالمسخ والتغيير .

وأقول : أما الأول - وهو قوله " فيخالف بصفتهم إلى غيرها من المسوخ " فليس فيه محافظة ظاهرة على مقتضى لفظة " بين " والأليق بهذا المعنى أن يقال : يخالف وجوهكم عن كذا ، إلا أن يراد المخالفة بين وجوه من مسخ ومن لم يمسخ ، فهذا الوجه الثاني ، وأما الوجه الأخير : ففيه محافظة على معنى " بين " إلا أنه ليس فيه محافظة ظاهرة على قوله " وجوهكم " فإن تلك المخالفة بعد المسخ ، [ ص: 221 ] وليست تلك صفة وجوههم عند المخالفة في الفعل ، والأمر في هذا قريب محتمل .

وقوله " القداح " هي خشب السهام حين تبرى وتنحت وتهيأ للرمي . وهي مما يطلب فيها التحرير ، وإلا كان السهم طائشا ، وهي مخالفة لغرض إصابة الغرض . فضرب به المثل لتحرير التسوية لغيره .

وفي الحديث دليل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام . وقد كان بعض أئمة السلف يوكل بالناس من يسوي صفوفهم .

وقوله " حتى إذا رأى أن قد عقلنا " يحتمل أن المراد : أنه كان يراعيهم في التسوية ويراقبهم ، إلى أن علم أنهم عقلوا المقصود منه وامتثلوه . فكان ذلك غاية لمراقبتهم ، وتكلف مراعاة إقامتهم .

وقوله " حتى إذا كاد أن يكبر فرأى رجلا باديا صدره . فقال : عباد الله . .. إلخ يستدل به على جواز كلام الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من حاجة . وقيل . إن العلماء اختلفوا في كراهة ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث