الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه " .

وصورة سوم الرجل على سوم أخيه أن يبذل الرجل في السلعة ثمنا ، فيأتي آخر فيزيد عليه في ذلك الثمن قبل أن يتواجبا البيع ، فإن كان هذا في بيع المزايدة جاز : لأن بيع المزايدة موضوع لطلب الزيادة ، وأن السوم لا يمنع الناس من الطلب .

وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم باع قدحا وحلسا فيمن يزيد ، وابتاع ثوبا مزايدة " .

فأما إن لم يكن بيع المزايدة وكان بيع المناجزة فلا يخلو حال بائع السلعة حين بذل له الطالب الأول ذلك الثمن من ثلاثة أحوال : إما أن يقول : قد رضيت بهذا الثمن ، أو يقول : لا أبيع بهذا الثمن ، أو يمسك . فإن قال : قد رضيت بهذا الثمن حرم على غيره من الناس أن يسوم عليه [ ص: 345 ] وإن لم ينعقد البيع بينهما لما في ذلك من الفساد وإيقاع العداوة والبغضاء مع النهي الوارد عنه نصا .

وخالف بيع المزايدة : لأن المساوم فيه لا يتعين . ولذلك قال أصحابنا : لو أن رجلا وكل في بيع عبده في مكان ، فباعه الوكيل في غير ذلك المكان صح البيع ، ولو وكله في بيعه رجلا ، وباعه من غير ذلك الرجل لم يصح البيع ، لأنه قد يريد ببيعه على ذلك الرجل مسامحته فيه ، أو تمليكه إياه ، فلم يكن للوكيل تمليك غيره ، وليس كذلك إذا أذن له في بيعه في مكان فباعه في غيره : لأنه لا غرض له فيه غير وفور ثمنه ، فإذا حصل له في غيره صح البيع . كذلك في السوم إن كان في المزايدة لم يحرم : لأن الغرض وفور الثمن دون تعيين الملاك ، وفي بيع المناجزة قد يكون له غرض في تعيين الملاك .

وأما الحال الثانية : وهو أن يكون المالك قال : لست أرضى بما بذلته من الثمن ، فها هنا لا يحرم على غير الطالب الأول أن يسوم عليه ، ويجوز لمن شاء أن يساوم في السلعة بمثل ثمنها أو بأكثر منها : لأن عدم الرضا لو منع الغير من طلبها أضر ذلك ببائعها .

وأما الحال الثالثة : وهو أن يمسك المالك فلا يجيب برضا ولا بكراهة ، فإن كان الإمساك دالا على الكراهة بما يقترن به من الأمارة لم يحرم السوم ، وإن كان دالا على الرضا ففي تحريم السوم وجهان :

أحدهما : قد حرم سوم تلك السلعة على غير الأول : لأن سكوت الراضي كنطقه .

والثاني : أن سومها جائز ما لم يصرح المالك بالرضا والإجابة : لأن الإمساك كناية ، فلم تقم مقام اللفظ الصريح إلا فيما خصه الشرع من إذن البكر . وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف قوليه في خطبة الزوج إذا أمسك الولي من غير تصريح بالإجابة والرد . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث