الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في شرائط الصرف

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما الشرائط ( فمنها ) قبض البدلين قبل الافتراق لقوله : عليه الصلاة والسلام في الحديث المشهور { والذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد } .

وروي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { لا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها شيئا غائبا بناجز } .

وروي عن عبد الله ابن سيدنا عمر عن أبيه رضي الله عنهما أنه قال : لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تبيعوا الذهب بالورق أحدهما غائب والآخر ناجز ، وإن استنظرك حتى يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء أي : الربا ، فدلت هذه النصوص على اشتراط قبض البدلين قبل الافتراق ، وتفسير الافتراق هو أن يفترق العاقدان بأبدانهما عن مجلسهما فيأخذ هذا في جهة وهذا في جهة أو يذهب أحدهما ويبقى الآخر حتى لو كانا في مجلسهما لم يبرحا عنه لم يكونا مفترقين وإن طال مجلسهما ; لانعدام الافتراق بأبدانهما وكذا إذا ناما في المجلس أو أغمي عليهما ; لما قلنا وكذا إذا قاما عن مجلسهما فذهبا معا في جهة واحدة وطريق واحدة ومشيا ميلا أو أكثر ولم يفارق أحدهما صاحبه فليسا بمفترقين ; لأن العبرة لتفرق الأبدان ولم يوجد فرق بين هذا وبين خيار المخيرة إذا قامت عن مجلسها أو اشتغلت بعمل آخر يخرج الأمر من يدها ; لأن خيار المخيرة يبطل بالإعراض عما فوض إليها والقيام عن المجلس أو الاشتغال بعمل آخر دليل الإعراض ، وههنا لا عبرة بالإعراض إنما العبرة للافتراق بالأبدان ولم يوجد ، وروي عن محمد أنه ألحق هذا بخيار المخيرة ، حتى لو نام طويلا أو وجد ما يدل على الإعراض يبطل الصرف كالخيار .

وروي عن محمد في رجل له على إنسان ألف درهم وكذلك الرجل عليه خمسون دينارا فأرسل إليه رسولا فقال [ ص: 216 ] بعتك الدنانير التي لي عليك بالدراهم التي لك علي ، وقال : قبلت فهو باطل ; لأن حقوق العقد لا تتعلق بالرسول بل بالمرسل وهما مفترقان بأبدانهما ، وكذلك لو نادى أحدهما صاحبه من وراء جدار أو ناداه من بعيد لم يجز ; لأنهما مفترقان بأبدانهما عند العقد بخلاف البيع المطلق إذا أرسل رسولا إلى إنسان فقال : بعت عبدي الذي في مكان كذا منك بكذا فقبل ذلك الرجل فالبيع جائز ; لأن التقابض في البيع المطلق ليس بشرط لصحة العقد ولا يكون الافتراق مفسدا له ، ثم المعتبر افتراق المتعاقدين ، سواء كانا مالكين أو نائبين عنهما كالأب والوصي والوكيل ; لأن القبض من حقوق العقد ، وحقوق العقد تتعلق بالعاقدين فيعتبر افتراقهما ، ثم إنما يعتبر التفرق بالأبدان في موضع يمكن اعتباره .

فإن لم يمكن اعتباره يعتبر المجلس دون التفرق بالأبدان بأن قال الأب : اشهدوا أني اشتريت هذا الدينار من ابني الصغير بعشرة دراهم ، ثم قام قبل أن يزن العشرة فهو باطل ، كذا روي عن محمد ; لأن الأب هو العاقد فلا يمكن اعتبار التفرق بالأبدان فيعتبر المجلس والله سبحانه وتعالى أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث