الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النهي عن بيع حاضر لباد والنهي عن تلقي السلع

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 346 ] باب النهي عن بيع حاضر لباد والنهي عن تلقي السلع

قال الشافعي رحمه الله تعالى : " أخبرنا سفيان ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يبع حاضر لباد " وزاد غير الزهري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " ( قال ) فإن باع حاضر لباد فهو عاص إذا كان عالما بالحديث ولم يفسخ : لأن في قوله صلى الله عليه وسلم " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " يتبين أن عقدة البيع جائزة ولو كانت مفسوخة لم يكن بيع حاضر لباد يمنع المشتري شيئا من فضل البيع ، وإنما كان أهل البوادي إذا قدموا بسلعهم يبيعونها بسوق يومهم للمؤنة عليهم في حبسها واحتباسهم عليها ، ولا يعرف من قلة سلعته وحاجة الناس إليها ما يعلم الحاضر ، فيصيب الناس من بيوعهم رزقا ، وإذا توكل لهم أهل القرية المقيمون تربصوا بها : لأنه لا مؤنة عليهم في المقام بها فلم يصب الناس ما يكون في بيع أهل البادية " .

قال الماوردي : وهذا صحيح .

وقد روى الشافعي ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبع حاضر لباد " .

وروى الشافعي ، عن سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا يبع حاضر لباد ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض .

فكان أنس بن مالك وطائفة من أهل الظاهر يحملون الحديث على ظاهره ، ويمنعون أن يبيع حاضر لباد بكل حال ، وأن يشتري له .

ومنع آخرون من البيع دون الشراء ، وذهب آخرون إلى أن هذا الحديث متروك ، وأن العمل به منسوخ ، وأنه يجوز للحاضر أن يبيع للبادي بكل حال . وكلا المذهبين غير صحيح ، [ ص: 347 ] وللحديث سبب محمول عليه ، وهو ما ذكره الشافعي وبينه من أن أهل البادية كانوا يجلبون السلع فيبيعونها بسعر يومهم ، لما يلحقهم من المؤونة في حبسها والمقام عليها ، فيشتريها أهل المدينة ويصيبون من أثمانها فضلا إذا أمسكوها ، فعمد قوم من سماسرة الأسواق فتربصوا للبادية بأمتعتهم حتى إذا انقطع الجلب باعوها لهم بأوفر الأثمان فشكى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بلغه ذلك من غير شكوى ، فنهى عن ذلك وقال : " لا يبع حاضر لباد ، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " .

فإما أن يكون الحديث محمولا على ظاهره كما قال أنس ومن تابعه فلا ، لما في استعمال النهي لو عم من الإضرار بأهل البادية ، إذا امتنع أهل الحضر من بيع أمتعتهم ، وإضرار الحاضر من انقطاع الجلب من البادية ، فيفضي إلى الإضرار بالفريقين جميعا .

فإن قيل فقد روى سالم المكي ، أن أعرابيا حدثه أنه أقدم بجارية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنزل على طلحة بن عبيد الله فقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد ، ولكن اذهب إلى السوق فانظر من يبايعك فشاورني حتى آمرك وأنهاك .

قالوا : فدل ذلك من طلحة على عموم النهي . قيل : قد يحتمل أن يكون طلحة رضي الله عنه لم يقف على السبب المنقول وسمع النهي المطلق فحمله على ظاهره ، أو يكون أحب أن يتولى ذلك بنفسه ، فوكله إلى غيره ، ألا ترى أنه أرشده إلى السوق ، ومعلوم أن من يتولى بيعها له في السوق حاضر أيضا .

وأما من ترك الحديث وجعله منسوخا فهو تارك لسنة بغير حجة ، والله أعلم .

فصل : فإذا ثبت أن النهي محمول على السبب المذكور فهو مختص بأربعة شرائط :

أحدها : أن لا يكون للبدوي عزم على المقام .

والثاني : أن يريد بيعها في الحال ، ولا يريد التأخير والانتظار .

والثالث : أن يبدأه الحضري فيشير عليه بترك السلعة من غير أن يكون للبدوي في ذلك رأي .

والرابع : أن يكون البلد لطيفا يضر بأهله حبس ذلك المتاع عنهم .

فإذا اجتمعت هذه الشروط الأربعة تعين النهي وحرم البيع .

فإذا خالف الحضري النهي وباع المتاع كان البيع جائزا ، وهو بالنهي عاص إن كان بالحديث عالما .

وإنما صح البيع : لأن النهي لمعنى في العاقد دون المعقود عليه ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ ص: 348 ] " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " ولو بطل البيع لامتنع الرزق ، فأما إن عدمت هذه الشروط أو بعضها :

فإن عدم الشرط الأول : فإن كان للبدوي عزم على المقام ، لم يحرم على الحضري أن يبيع له : لأن البدوي قد كان يحبس متاعه بمقامه لو لم يحبسه الحاضر له .

وإن عدم الشرط الثاني ، وأراد البدوي تأخير متاعه والانتظار به ، لم يحرم على الحاضر أن يبيع له : لأن الحاضر لا صنع له في الحبس ، ولأن البدوي لو لم يمكن من ذلك لقطع الجلب .

وإن عدم الشرط الثالث فكان البدوي هو الذي سأل الحاضر فعل ذلك ، لم يحرم على الحاضر متاعه لما ذكرنا .

وإن عدم الشرط الرابع وكان البلد واسعا ففيه وجهان :

أحدهما : يحرم بيعه على الحاضر : لعموم النهي .

والثاني : لا يحرم : لأن حبس الحاضر له وتأخير بيعه لا يضر بالناس ، ولا يمنعهم الرزق . ولا فرق في النهي المذكور بين البادية وبين الأكراد في جلب الأمتعة ، وبين سائر أهل السواد والرستاق وأهل البحار في أن النهي يعم جميعهم في تربص أهل الحضر بأمتعتهم . ( والله أعلم بالصواب ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث