الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


( ( العلامة التاسعة ) )

خروج دابة الأرض وإليها أشار بقوله :


( ( كذات أجياد على المشهور ) )



( ( كذات ) ) أي صاحبة ( ( أجياد ) ) وأجياد كما في القاموس اسم أرض بمكة أو جبل بها ، قال سمي بذلك لكونه موضع خيل تبع . انتهى .

قلت وفيه نظر فإن تسميته بأجياد متقدمة على تبع وخيله ففي تفسير القرطبي [ ص: 144 ] ورواه الحكيم الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما لما أذن الله لإبراهيم وإسماعيل برفع القواعد من البيت قال الله تبارك اسمه ، إني معطيكما كنزا ادخرته لكما ثم أوحى إلى إسماعيل أن اخرج إلى أجياد فادع يأتك الكنز فخرج إلى أجياد ولا يدري ما الدعاء ولا الكنز فألهمه الله الدعاء فلم يبق على وجه الأرض فرس إلا جاءته وأمكنته من ناصيتها وذللها له .

وفي حياة الحيوان للدميري أول من ركب الخيل إسماعيل عليه السلام ولذلك سميت العراب وكانت قبل ذلك وحشا كسائر الوحوش فلما أذن الله تعالى إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام برفع القواعد من البيت قال الله عز وجل : إني معطيكما كنزا ادخرته لكما ، ثم أوحى الله عز وجل إلى إسماعيل - الحديث - وفيه : ولذلك قال نبينا صلى الله عليه وسلم " اركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسماعيل " .

قلت ولعل تسمية المحل المذكور لمجيء الخيل الجياد إليه مجيبة سيدنا إسماعيل عليه السلام ويقال له جياد أيضا بغير ألف قبل الجيم وقوله ( ( على ) ) القول ( ( المشهور ) ) من إضافتها إلى أجياد لكونها تخرج منه ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا " تخرج دابة الأرض من أجياد فيبلغ صدرها الركن اليماني ولم يخرج ذنبها بعد وهي دابة ذات قوائم " .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا أنه أراه النبي صلى الله عليه وسلم المكان الذي تخرج منه الدابة .

وعن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " بئس الشعب شعب أجياد " قالها مرتين أو ثلاثا قالوا وما ذاك يا رسول الله ؟ قال " تخرج منه الدابة فتصرخ ثلاث صرخات فيسمعها من في الخافقين " رواه الطبراني في الأوسط .

وفي حديث بريدة رضي الله عنه قال ذهب بي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى موضع بالبادية قريب من مكة فإذا بأرض يابسة حولها رمل فقال صلى الله عليه وسلم : " تخرج الدابة من هذا الموضع " .

والحاصل أن في المحل الذي تخرج منه الدابة أقوالا من أشهرها أجياد كما أشرنا إليه . قال الحافظ السخاوي في القناعة : وخروجها في آخر الزمان من مكة إما من صدع الصفا وبه جزم غير واحد أو من المروة أو من شعب أجياد أو من بعض أودية تهامة أو من وراء مكة أو من مدينة قوم لوط . انتهى .

[ ص: 145 ] وقيل بل أول خروجها من أقصى اليمن ، وهذا أخرجه الحاكم في المستدرك ، عن أبي الطفيل ، عن أبي سريحة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : " يكون للدابة ثلاث خرجات في الدهر تخرج في أول خرجة في أقصى اليمن منتشرا ذكرها بالبادية ولا يدخل ذكرها القرية - يعني مكة - ثم تمكث زمانا طويلا تخرج خرجة أخرى دون تلك فيعلو ذكرها في أهل البادية ويدخل ذكرها القرية ، ثم بينما الناس في أعظم المساجد حرمة وأحبها إلى الله وأكرمها على الله - يعني المسجد الحرام - لم يرعهم إلا وهي في ناحية المسجد من الركن الأسود وباب بني مخزوم فيرفض الناس عنها وتثبت عصابة من المسلمين عرفوا أنهم لن يعجزوا الله فتنفض عن رأسها التراب فتجلوا عن وجوههم حتى كأنهم الكواكب الدرية - الحديث .

وقد جمع بعضهم بين الروايات بأن للدابة ثلاث خرجات ففي بعض خرجاتها تخرج في مدينة قوم لوط ويصدق عليها أنها من أقصى البادية ، وفي بعضها تخرج من بعض أودية تهامة ويصدق عليها أنها من وراء مكة وأنها من اليمن لأن الحجاز يمانية ومن ثم قيل الكعبة يمانية ، والمرة الثالثة تخرج من مكة وهي من كبرها وعظم جثتها وطولها يمكن أن تخرج من بين الصفا والمروة وأجياد فإنها تمتد مقدار ثلاثة أيام وأكثر وحينئذ يصدق عليها أنها خرجت من المروة ومن الصفا ومن أجياد ومن المسجد ومن البادية التي بقرب مكة كما في حديث بريدة .

وجمع بعضهم أيضا بوجه آخر وهو أنها تخرج من جميع تلك الأماكن في آن واحد خرقا للعادة في صور متباينة على أنه ورد في رواية كما في حياة الحيوان أنه يخرج من كل بلد دابة مما هو مبثوث نوعها في الأرض فليست بواحدة فيكون قوله دابة اسم جنس .

وذكر الكوراني أنه حيث ورد في المرفوع ، لها ثلاث خرجات من ثلاث محلات ، ومن المذكور في الأصول أن العدد لا مفهوم له ومن ثم قال أهل الأصول : والتخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص ، فجاز أن يكون لها أكثر من ثلاث خرجات كل خرجة من محل فيصح خروجها من كل محل ذكروه ، وكذلك الاختلاف في طولها وغيره فإن الأقل لا ينافي الأكثر بناء على أن العدد لا مفهوم له . انتهى .

وورد أن خروجها ليلة جمع [ ص: 146 ] والناس سائرون إلى منى فيتصدع الصفا فتخرج منه ، وقيل تخرج من الحجر ، وقيل من أرض الطائف ، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث