الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الثانية قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الآية الثانية قوله تعالى : { لا تحرك به لسانك لتعجل به } .

فيها أربع مسائل :

المسألة الأولى ثبت في الصحيح واللفظ للبخاري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله { لا تحرك به لسانك لتعجل به } قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة ، وكان مما يحرك به شفتيه ، فقال ابن عباس : فأنا أحركهما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما . وقال سعيد : أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما ، فحرك شفتيه ، فأنزل الله عز وجل : { لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه } قال : جمعه لك في صدرك وتقرؤه . { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه } . قال : فاستمع له وأنصت . { ثم إن علينا بيانه } : ثم إن علينا أن نقرأه . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع ، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما أقرأه .

المسألة الثانية هذا يعضد ما تقدم : في سورة المزمل من قوله { ورتل القرآن ترتيلا } حسبما تقدم بيانه في ذلك الموضع .

وهذا المعنى صحيح ، وذلك أن المتلقن من حكمه الأوكد أن يصغي إلى الملقن بقلبه ، ولا يستعين بلسانه ، فيشترك الفهم بين القلب واللسان ، فيذهب روح التحصيل بينهما ، ويخزل اللسان بتجرد القلب للفهم ; فيتيسر التحصيل ; وتحريك اللسان يجرد القلب عن الفهم ، فيتعسر التحصيل بعادة الله التي يسرها ; وذلك معلوم عادة فيتحقق لذي مشاهدة .

قال الإمام : كنت أحضر عند الحاسب بتلك الديار المكرمة ، وهو يجعل الأعداد على [ ص: 303 ] المتعلمين الحاسبين ، وأفواههم مملوءة من الماء ، حتى إذا انتهى إلقاؤه ، وقال : ما معكم رمى كل واحد بما في فمه ، وقال ما معه ليعودهم خزل اللسان عن تحصيل المفهوم عن المسموع .

وللقول في التعلم سيرة بديعة ; وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى المكتب ، فإذا عبر المكتب أخذه بتعليم الخط والحساب والعربية ، فإذا حذقه كله أو حذق منه ما قدر له خرج إلى المقرئ فلقنه كتاب الله ، فحفظ منه كل يوم ربع حزب ، أو نصفه ، أو حزبا ، حتى إذا حفظ القرآن خرج إلى ما شاء الله من تعليم العلم أو تركه . ومنهم وهم الأكثر من يؤخر حفظ القرآن ، ويتعلم الفقه والحديث ، وما شاء الله فربما كان إماما ، وهو لا يحفظه ، وما رأيت بعيني إماما يحفظ القرآن ، ولا رأيت فقيها يحفظه إلا اثنين ، ذلك لتعلموا أن المقصود حدوده لا حروفه ; وعلقت القلوب اليوم بالحروف ، وضيعوا الحدود ، خلافا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه إنفاذ لقدر الله ، وتحقيق لوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبيين لنبوته ، وعضد لمعجزته .

المسألة الثالثة الباري سبحانه يجمع القرآن في قلب الرسول تيسيرا للتبليغ ، ويجمعه في قلب غيره ; تيسيرا لإقامة الحجة ; فإما أن يكون شفاء لما يعرض في الصدور ، وإما أن يكون عمى في الأبصار والبصائر ، وإما أن يكون بينه وبين العلم به رين ، فيبقى تاليا ، ولا يجعل له من المعرفة ثانيا ، وهو أخفه حالا وأسلمه مآلا ، وقد حقق الله لرسوله وعده بقوله : { سنقرئك فلا تنسى } ; وهو خبر ، وليس بأمر معنوي لثبوت الياء في الخط إجماعا ، وليس ينبغي بعد هذا تأويل ; لأنه لا يحتاج إليه .

وفي الصحيح { أنه صلى الله عليه وسلم كان يعارضه جبريل القرآن مرة في كل شهر رمضان ، حتى كان العام الذي قبضه الله بينه وبين الآخر عارضه مرتين ; ففطن لتأكيد الحفظ والجمع عنده ، وقال : ما أراه إلا قد حضر أجلي } إذ كان المقصود من بعثه إلى الخلق تبليغ الأحكام وتمهيد الشرع ، ثم يستأثر الله به على الخلق ، ويظهره برفعه إليه عنهم ، وينفذ بعد ذلك حكمه فيهم [ ص: 304 ]

المسألة الرابعة انتهى النظر في هذه الآية بقوم من الرفعاء منهم قتادة إلى أن يقولوا في قوله { ثم إن علينا بيانه } أي تفصيل أحكامه ، وتمييز حلاله من حرامه ، حتى قال حين سئل عن ذلك : إن منه وجوب الزكاة في مائتي درهم ، وهذا وإن لم يشهد له مساق الآية فلا ينفيه عمومها ، ونحن لا نرى تخصيص العموم بالسبب ولا بالأولى من الآية والحديث ، ولا بالمساق ، حسبما بيناه في أصول الفقه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث