الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 368 ] باب تصرف الرقيق

قال الشافعي رحمه الله تعالى : " وإذا ادان العبد بغير إذن سيده لم يلزمه ما كان عبدا ومتى عتق اتبع به " .

قال الماوردي : وهذا كما قال : حجر الرق يمنع من عقود البيع بغير إذن سيده وإن صح تأديه .

وجملة أحوال المحجور عليهم في أشربتهم أنها تنقسم أربعة أقسام :

قسم يصح منهم الشراء مع الحجر بإذن وبغير إذن ، وقسم لا يصح منهم الشراء مع الحجر لا بإذن ولا بغير إذن ، وقسم لا يصح منهم الشراء بغير إذن ، واختلف في صحته بإذن ، وقسم يصح منهم الشراء بإذن ، واختلف في صحته بغير إذن .

فأما القسم الأول : وهو من يصح منه الشراء مع الحجر بإذن وغير إذن ، فهو المحجور عليه بالفلس يصح شراؤه بغير إذن غرمائه : لأن الحجر عليه مستحق في ماله لأجل غرمائه فيمنع من دفع الثمن منه لتعلق حق غرمائه به ، ولا يفسخ عليه العقد : لأنه لم يتعلق به للغرماء حق ، ويكون الثمن في ذمته إذا أيسر بعد فك حجره دفع منه . وكذا المكاتب وإن لم يكن مطلق التصرف ، فإن عقوده ماضية ما لم يكن فيها محاباة ، وله دفع الثمن مما في يده وليس للسيد منعه ، ويكون من عقد المفلس والمكاتب مع صحتهما : قد كان أحدهما أن عقد المفلس ماض مع المحاباة ، وعقد المكاتب مردود في المحاباة .

والثاني : أن المفلس يمنع من دفع الثمن مما في يده ، والمكاتب لا يمنع من دفع الثمن في يده . فهذا القسم الأول .

وأما القسم الثاني : وهو من لا يصح منه الشراء بإذن ولا بغير إذن فهو المجنون والصبي ، أما المجنون فشراؤه باطل ولا يقف على إجازة الولي إجماعا ، وأما الصبي فشراؤه باطل عندنا ولا يقف على إجازة الولي .

وقال أبو حنيفة : عقوده موقوفة على إجازة الولي : استدلالا بأنه عاقل مميز ، فجاز أن يصح عقده مع بقاء الحجر عليه كالعبد وهذا غلط .

[ ص: 369 ] ودليلنا رواية علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " رفع القلم عن ثلاثة ؛ عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ " .

ورفع القلم عنه يمنع من إجازة عقده ؛ لما في إجازته من إجراء القلم عليه ، ولأنه غير مكلف ، فوجب أن لا يصح عقده كالمجنون ، ولأن في الولاية على الصبي حقين :

أحدهما : تولي عقوده .

والثاني : حفظ ماله . فلما لم يجز للولي أن يرد إليه حفظ ماله لم يجز أن يرد إليه تولي عقوده .

فأما القياس على العبد فلا يصح من وجهين :

أحدهما : أن العبد لما كان مكلفا صح عقده ، والصبي لما لم يكن مكلفا لم يصح عقده .

والثاني : أن الحجر على العبد حق لسيده فجاز للسيد إسقاط حقه بالإذن له ، والحجر على الصبي حق للولي فلم يجز إسقاطه بالإذن له . فثبت أن عقود الصبي باطلة بإذن وليه وغير إذنه .

وأما القسم الثالث : وهو من لا يصح منه الشراء بغير إذن ، واختلف أصحابنا في صحته بإذن وهو المحجور عليه بالسفه إن عقد بيعا أو شراء بغير إذن وليه ؛ كان باطلا : لأنه بالحجر ممنوع التصرف منعا عاما ، وفي صحة العقد منه رفع الحجر عنه ، فإن اشترى بإذن وليه ففيه لأصحابنا وجهان :

أحدهما : باطل كالصبي .

والثاني : جائز كالعبد ، ولكن لو عين له الولي ما يشتريه وقدر له الثمن ، فعقد العقد على ذلك بالثمن المأذون فيه ؛ صح عقده وجها واحدا بخلاف التفويض : لأنه عقد من مكلف قد صرف عن الاجتهاد بالتقدير ، فلم يكن للسفه فيه تأثير .

وأما القسم الرابع : وهو من يصح منه الشراء بإذن ، واختلف في صحته بغير إذن ، فهو العبد يصح شراؤه بإذن سيده : لأنه ممنوع في حقه ، فإن اشترى بغير إذن سيده بثمن في ذمته ، ففي صحة العقد وجهان :

أحدهما : وهو قول أبي إسحاق المروزي ، وأبي سعيد الإصطخري أن شراءه باطل : لأنه ممنوع من عقد البيع بغير إذن سيده ، كما هو ممنوع من النكاح بغير إذن سيده ، ثم ثبت أنه لو عقد نكاحا بغير إذن سيده كان باطلا ، وجب إذا عقد بيعا بغير إذنه أن يكون باطلا .

والوجه الثاني : وهو قول جمهور أصحابنا أن الشراء جائز : لأن الحجر عليه لحق سيده ، [ ص: 370 ] وأنه يملك ما بيده يجري مجرى المفلس المحجور عليه في حق الغرماء ، ثم كان عقد المفلس جائزا ، فكذلك العبد ، وخالف النكاح من وجهين :

أحدهما : أن النكاح موكس لثمنه فمنع منه بغير إذن سيده : لما فيه من الإضرار به ، وليس كذلك الشراء . ( وكذا ) الحكم في ضمانه واقتراضه إذا كان عن غير إذن سيده فعلى وجهين : أحدهما : باطل فيسقط الضمان ويؤمر برد القرض .

والثاني : جائز فيصح الضمان ولا يلزمه رد القرض ، فإن قلنا بصحة عقوده كان ضمانه لازما في ذمته يوجه به بعد عتقه ويساره ، وقد استفاد ما ابتاعه واقترضه ، وكان ضامنا لثمن ما ابتاع ، ومثل ما اقترض في ذمته يؤديه بعد عتقه ويساره ، وللسيد أخذ ذلك من يده : لأن ما استفاده العبد ملك لسيده .

فلو كان البائع لا يعلم برق العبد فأراد الفسخ حين علم برقه لما يلحقه من تأخير الثمن إلى حين عتقه ؛ احتمل وجهين :

أحدهما : له الفسخ : لأنه أسوأ حالا من المفلس .

والثاني : ليس له الفسخ : لأنه قد صار في ملك السيد فلم يكن له الفسخ برقه لزوال ملكه عنه .

فإن قلنا ببطلان عقوده كان ضمانه باطلا وابتياعه فاسدا واقتراضه مردودا ، وعلى العبد رد ما ابتاعه واقترضه وليس للسيد أن يأخذه من يده ، وإن تلف من يد العبد كان مضمونا عليه بالقيمة لا بالثمن في ذمته لا في رقبته ، يؤديه إذا أيسر بعد عتقه : لأنه مقبوض على وجه المعاوضة فلم يجز أن يتعلق بالرقبة .

فصل : فإذا تقرر ما ذكرنا واستدان العبد دينا لم يخل من أن يكون مأذونا له في التجارة ، أو غير مأذون له . فإن كان غير مأذون له في التجارة كانت الديون الحادثة عن معاملاته ثابتة في ذمته لا في رقبته ولا فيما بيده ، وللسيد أن يتصرف فيما بيده من ماله كيف شاء ، ولا يجوز للعبد أن يقضي ديونه من شيء مما في يده ، فإن فعل وقدر السيد على استرجاعه ممن صار إليه فله ذلك ، وإن لم يقدر فلا شيء له على عبده من غرم ما استهلك من ماله : لأن السيد لا يثبت له في ذمة عبده ولا في رقبته مال .

وإن كان العبد مأذونا له في التجارة قضى ديون معاملاته من المال الذي بيده : لأن إذنه للتجارة إذن به وبموجبه ، وليس للسيد أن يسترجع ما بيده قبل قضاء ديونه لاستحقاقه فيها إلا أن يضمن السيد ذلك في ذمته ، فيجوز له بعد الضمان أن يسترجع . فلو كانت ديونه ألفا وبيده ألفان فأراد السيد أن يأخذ الألف الفاضلة من دينه لم يجز لأمرين .

[ ص: 371 ] أحدهما : أنه كالمرهون بدينه ، وليس من حكم الرهن أن يأخذ منه ما فضل عن الدين .

والثاني : أنه يجوز أن يهلك أحد الألفين قبل قضاء الدين فيلزم قضاؤه من الألف الأخرى .

فأما إن عجز ما بيد العبد عن ديونه ، إما لوضيعة أو جائحة كان ما في ذمته في ذمته يؤديه إذا أيسر بعد عتقه ، ولا يتعلق برقبته ولا بذمة سيده .

وقال أبو حنيفة : تكون ديونه في رقبته يباع فيها إلا أن يفديه السيد منها : استدلالا بأنه دين تعلق بعبده عن إذنه فوجب أن يتعلق برقبته دون ذمته كالرهن ، قال : ولأن السيد يملك رقبة عبده وكسبه ، فلما كان إذنه بالتجارة ، فوجب تعلق دينه بكسب التجارة ؛ جاز أن يتعلق برقبته إذا عدم كسب التجارة : لأن الإذن لما أوجب تعلق الدين بأحد الملكين أوجب تعلقه بالملك الآخر . وهذا غلط .

ودليلنا : أن كل حق لزم برضى مستحقه أوجب تعلقه بالذمة دون الرقبة ، كما لو أدان بغير إذن السيد ، ولأن ما يلزم العبد من الديون ضربان : ضرب لزم برضى مستحقه كأثمان المبيعات ، وضرب لزم بغير رضى مستحقه كقيم المتلفات . فلما ثبت أن ما لزم بغير رضى مستحقه كان محله من المأذون وغير المأذون واحدا وهو الرقبة ، وجب أن يكون ما لزمه برضى مستحقه أن يكون محله من المأذون وغير المأذون واحدا وهو الذمة ، ولأن إذن السيد لعبده بالتجارة لا يخلو من أحد أمرين :

إما أن يأذن له أن يتجر بما دفعه إليه من مال ، أو إنما حصل له من جاه ، وأي الأمرين كان فالرقبة خارجة عن إذنه فلم يجز أن يتعلق بدينه . وأما قياسهم على الرهن فلا يصح : لأن الرهن عقد على الرقبة ، وكذلك لم يجز أن يدخل عليه مثله .

وأما استدلالهم بالكسب فالكسب لم يملكه السيد إلا بعد قضاء ديونه ، وقبل قضائها لم يدخل في ملكه ، فجاز أن تتعلق ديونه بكسبه ، وليس كذلك الرقبة : لأنها ملك لسيده في الحالين ، فلم يجز أن تتعلق بها ديونه . والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث