الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                          صفحة جزء
                                                          تفرق الناس حول الرسالة الإلهية.. وهي واحدة

                                                          إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون

                                                          ذكر الله - سبحانه وتعالى - طائفة من الرسل الذين دعوا إلى الوحدانية؛ وأن إجابة الناس كانت واحدة؛ منهم مؤمنون؛ وهم قليل؛ ومنهم [من] كفروا؛ وعاندوا؛ وهم [ ص: 4913 ] كثير؛ وإن الذين أشركوا وعاندوا كانوا يستهزئون بالذين آمنوا؛ وكانوا يقولون: هم أراذلنا؛ بادي الرأي؛ وكانوا ينكرون البعث؛ ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين وكانت المادة تأسرهم؛ ولا يؤمنون بالغيب؛ والنبيون يجاهدون في الدعوة إلى الله والحق؛ ويصابرونهم؛ ويبالغون في الدعوة؛ ليعذروا لأنفسهم عند ربهم؛ ومن العصاة من يرتكبون أفحش الفواحش؛ سائرين وراء شهواتهم المنحرفة؛ بعد ذلك بين الله - سبحانه وتعالى - وحدة البشرية؛ ووحدة الرسالة; ولذا قال - عز من قائل -: إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون الإشارة بـ "هذه "؛ إلى الجماعات الماضية؛ رسلا مبشرين ومنذرين؛ وأقواما بعثوا إليهم؛ وعاندوهم؛ أو وافقوهم؛ والخطاب للذين بعث فيهم النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ و "أمة "؛ حال؛ باعتبار الوصف بالوحدة؛ والمعنى: "إن هذه الجماعات التي مضت برسلها المصطفين الأخيار حالة كونها أمة واحدة هي أمتكم معشر المخاطبين "؛ والمعنى أن الناس جميعا أمة واحدة في كونهم مؤمنين؛ وكافرين؛ ومستقيمين؛ ومنحرفين؛ وأمة واحدة فيما طبعه الله (تعالى) عليها؛ وجبلها على الصفات الإنسانية الواحدة؛ ما بين ملهمين التقوى؛ وملهمين الفجور؛ والرسل المختارون يدعون الأبرار والفجار؛ فيستقيم على الطريقة المثلى الأبرار؛ وينحرف عن الجادة الأشرار؛ وهذه الآية كقوله (تعالى): كان الناس أمة واحدة

                                                          وبعد أن بين - سبحانه - وحدة البشرية في الطبائع والجبلات بين وحدة الرسالة؛ ووحدة الألوهية والربوبية؛ فقال - عز من قائل -: وأنا ربكم فاعبدون أي: أنا خالقكم والقائم عليكم والكالئ لكم؛ "فاعبدون "؛ الفاء فاء السببية؛ أي: بسبب هذه الربوبية الخالصة المبدعة - اعبدون؛ هنا ياء المتكلم محذوفة؛ مع تقديرها في الكلام.

                                                          وإنه نتج عن هذه الوحدة في الجبلة؛ وتنوع الغرائز وتضاربها؛ وتغالبها؛ وتنازع الأهواء والشهوات؛ أن تنازع الناس؛ وإن اختلفت منازعهم؛ ما بين مهتد رشيد؛ ومنحرف عنيد; ولذا قال (تعالى):

                                                          التالي السابق


                                                          الخدمات العلمية