الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون

( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون )

قوله تعالى : ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش قليلا ما تشكرون )

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما أمر الخلق بمتابعة الأنبياء عليهم السلام ، وبقبول دعوتهم ثم خوفهم بعذاب الدنيا ، وهو قوله : ( وكم من قرية أهلكناها ) ثم خوفهم بعذاب الآخرة من وجهين :

أحدهما : السؤال : وهو قوله : ( فلنسألن الذين أرسل إليهم )

والثاني : بوزن الأعمال ، وهو قوله : ( والوزن يومئذ الحق ) رغبهم في قبول دعوة الأنبياء -عليهم السلام- في هذه الآية بطريق آخر ، وهو أنه كثرت نعم الله عليهم ، وكثرة النعم توجب الطاعة ، فقال : ( ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش ) فقوله : ( مكناكم في الأرض ) أي جعلنا لكم فيها مكانا وقرارا ، ومكناكم فيها ، وأقدرناكم على التصرف فيها ، وجعلنا لكم فيها معايش ، والمراد من المعايش : وجوه المنافع ، وهي على قسمين : منها ما يحصل بخلق الله تعالى ابتداء مثل خلق الثمار وغيرها ، ومنها ما يحصل بالاكتساب ، وكلاهما في الحقيقة إنما حصل بفضل الله وإقداره وتمكينه ، فيكون الكل إنعاما من الله تعالى ، وكثرة الإنعام لا شك أنها توجب الطاعة والانقياد ، ثم بين تعالى أنه مع هذا [ ص: 25 ] الإفضال والإنعام عالم بأنهم لا يقومون بشكره كما ينبغي ، فقال : ( قليلا ما تشكرون ) وهذا يدل على أنهم قد يشكرون ، والأمر كذلك ، وذلك لأن الإقرار بوجود الصانع كالأمر الضروري اللازم لجبلة عقل كل عاقل ، ونعم الله على الإنسان كثيرة ، فلا إنسان إلا ويشكر الله تعالى في بعض الأوقات على نعمه ، إنما التفاوت في أن بعضهم قد يكون كثير الشكر ، وبعضهم يكون قليل الشكر .

المسألة الثانية : روى خارجة ، عن نافع : أنه همز ( معائش ) قال الزجاج : جميع النحويين البصريين يزعمون أن همز ( معائش ) خطأ ، وذكروا أنه إنما يجوز جعل الياء همزة إذا كانت زائدة نحو صحيفة وصحائف ، فأما ( معايش ) فمن العيش ، والياء أصلية ، وقراءة نافع لا أعرف لها وجها ، إلا أن لفظة هذه الياء التي هي من نفس الكلمة أسكن في معيشة فصارت هذه الكلمة مشابهة لقولنا : صحيفة ، فجعل قوله : ( معائش ) شبيها لقولنا : صحائف ، فكما أدخلوا الهمزة في قولنا : صحائف فكذا في قولنا : معائش على سبيل التشبيه ، إلا أن الفرق ما ذكرناه أن الياء في معيشة أصلية وفي صحيفة زائدة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث