الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 426 ] ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين وسبعمائة

استهلت بيوم الأحد ، وسلطان الإسلام بالديار المصرية والبلاد الشامية وما والاها الملك المنصور سيف الدين أبو بكر ابن السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي ، ونائب الشام الأمير علاء الدين ألطنبغا ، وقضاة الشام ومصر هم المذكورون في التي قبلها ، وكذا المباشرون سوى الولاة .

شهر الله المحرم : ولاية الخليفة الحاكم بأمر الله : وفي هذا اليوم بويع بالخلافة أمير المؤمنين أبو القاسم أحمد بن المستكفي بالله أبي الربيع سليمان العباسي ، ولبس السواد ، وجلس مع الملك المنصور على سرير المملكة ، وألبسه خلعة سوداء أيضا ، فجلسا وعليهما السواد ، وخطب الخليفة يومئذ خطبة بليغة فصيحة مشتملة على أشياء من المواعظ ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وخلع يومئذ على جماعة من الأمراء والأعيان ، وكان يوما مشهودا ، وكان أبو القاسم هذا قد عهد إليه أبوه بالخلافة ، ولكن لم يمكنه الناصر من ذلك ، وولى أبا إسحاق إبراهيم ابن أخي أبي الربيع ، ولقبه الواثق بالله ، وخطب له بالقاهرة جمعة واحدة ، فعزله المنصور ، وقرر أبا القاسم هذا ، وأمضى العهد ، ولقبه المستنصر بالله ، كما ذكرنا .

[ ص: 427 ] وفي يوم الأحد ثامن المحرم مسك الأمير سيف الدين بشتك الناصري آخر النهار ، وكان قد كتب تقليده بنيابة الشام وخلع عليه بذلك ، وبرز ثقله ، ثم دخل على الملك المنصور ليودعه ، فرحب به ، وأجلسه ، وأحضر طعاما وأكلا ، وتأسف السلطان على فراقه ، وقال : تذهب وتتركني وحدي ؟ ثم قام لتوديعه ، وذهب بشتك من بين يديه ثماني خطوات أو نحوها ، ثم تقدم إليه ثلاثة نفر ، فقطع أحدهم سيفه من سوطه بسكين ، ووضع الآخر يده على فمه ، وكتفه الآخر ، وقيدوه ، وذلك كله بحضرة السلطان ، ثم غيب فلم يدر أحد إلى أين صار ، ثم قالوا لمماليكه : اذهبوا أنتم فائتوا بمركوب الأمير غدا ، فهو بائت عند السلطان ، وأصبح السلطان ، وجلس على سرير المملكة ، وأمر بمسك جماعة من الأمراء وتسعة من الكبار ، واحتاطوا على حواصله ، وأمواله ، وأملاكه ، فيقال : إنه وجد عنده من الذهب ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار .

وفاة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي : تمرض أياما يسيرة مرضا لا يشغله عن شهود الجماعة ، وحضور الدروس ، وإسماع الحديث ، فلما كان يوم الجمعة حادي عشر صفر أسمع الحديث إلى قريب وقت الصلاة ، ثم دخل منزله ليتوضأ ويذهب للصلاة ، فاعترضه في باطنه مغص عظيم ، ظننا أنه قولنج ، وما كان إلا طاعونا ، فلم يقدر على حضور الصلاة ، فلما فرغنا من الصلاة أخبرت بأنه منقطع ، فذهبت إليه ، فدخلت عليه فإذا هو يرتعد رعدة [ ص: 428 ] شديدة من قوة الألم الذي هو فيه ، فسألته عن حاله فجعل يكرر : الحمد الله ، ثم أخبرني بما حصل له من المغص الشديد ، وصلى الظهر بنفسه ، ودخل إلى الطهارة ، وتوضأ على حافة البركة وهو في قوة الوجع ، ثم اتصل به هذا الحال إلى الغد من يوم السبت ، فلما كان وقت الظهر لم أكن حاضره إذ ذاك ، لكن أخبرتني ابنته زينب زوجتي أنه لما أذن الظهر تغير ذهنه قليلا ، فقالت : يا أبت ، أذن الظهر ، فذكر الله ، وقال : أريد أن أصلي . فتيمم وصلى ، ثم اضطجع فجعل يقرأ آية الكرسي حتى جعل لا يفيض بها لسانه ، ثم قبضت روحه بين الصلاتين - رحمه الله - يوم السبت ثاني عشر صفر ، فلم يمكن تجهيزه تلك الليلة ، فلما كان من الغد يوم الأحد ثالث عشر صفر ، غسل صبيحة ذلك اليوم ، وكفن ، وصلي عليه بالجامع الأموي ، وحضر القضاة ، والأعيان ، وخلائق لا يحصون كثرة ، وخرج بجنازته من باب النصر ، وخرج نائب السلطنة الأمير علاء الدين ألطنبغا ومعه ديوان السلطان ، والصاحب ، وكاتب السر ، وغيرهم من الأمراء ، فصلوا عليه خارج باب النصر ، أمهم عليه القاضي تقي الدين السبكي الشافعي ، وهو الذي صلى عليه في الجامع الأموي ، ثم ذهب به إلى مقابر الصوفية ، فدفن هناك إلى جانب زوجته المرأة الصالحة الحافظة لكتاب الله ، عائشة بنت إبراهيم بن صديق ، غربي قبر الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، رحمهم الله أجمعين ، وقد ترجمته في أول شرح " البخاري " .

[ ص: 429 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث