الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

كائنة غريبة جدا

قدم يوم الأربعاء الثلاثين من صفر أمير من الديار المصرية ، ومعه الأمر بالبيعة للملك الأشرف علاء الدين كجك ابن السلطان الملك الناصر ، وذلك بعد عزل أخيه المنصور; لما صدر عنه من الأفعال التي ذكر أنه تعاطاها من شرب المسكر ، وغشيان المنكرات ، وتعاطي ما لا يليق به ، ومعاشرة الخاصكية من المردان وغيرهم ، فتمالأ على خلعه كبار الأمراء لما رأوا الأمر تفاقم إلى الفساد العريض ، فأحضروا الخليفة الحاكم بأمر الله أبي الربيع سليمان ، فأثبت بين يديه ما نسب إلى الملك المنصور المذكور من الأمور ، فحينئذ خلعه ، وخلعه الأمراء الكبار وغيرهم ، واستبدلوا مكانه أخاه هذا المذكور ، وسيروه إذ ذاك إلى قوص مضيقا عليه ومعه إخوة له ثلاثة - وقيل أكثر - وأجلسوا الملك الأشرف هذا على السرير ، وناب له الأمير سيف الدين قوصون الناصري ، واستمرت الأمور على السداد ، وجاءت البيعة إلى الشام ، فبايعه الأمراء يوم الأربعاء المذكور ، وضربت البشائر عشية الخميس مستهل ربيع الأول ، وخطب له بدمشق يوم الجمعة بحضرة نائب السلطنة والقضاة والأعيان والأمراء .

وفي يوم الأربعاء سابع عشر ربيع الأول حضر الدرس بدار الحديث الأشرفية قاضي القضاة تقي الدين السبكي ، عوضا عن شيخنا الحافظ جمال الدين [ ص: 430 ] المزي ، ومشيخة دار الحديث النورية عوضا عن ابنه ، رحمه الله .

وفي شهر جمادى الأولى اشتهر أن نائب حلب الأمير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الأخضر قائم في نصرة ابن السلطان الأمير أحمد الذي بالكرك ، وأنه يستخدم لذلك ويجمع الجموع ، فالله أعلم . وفي العشر الثاني منه وصلت الجيوش صحبة الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري إلى الكرك في طلب ابن السلطان الأمير أحمد .

وفي هذا الشهر كثر الكلام في أمر الأمير أحمد بن الناصر الذي بالكرك; بسبب محاصرة الجيش الذي صحبة الفخري له ، واشتهر أن نائب حلب الأمير سيف الدين طشتمر الملقب بالحمص الأخضر قائم بجنب أولاد السلطان الذين أخرجوا من الديار المصرية إلى الصعيد ، وفي القيام بالمدافعة عن الأمير أحمد ، ليصرف عنه الجيش ، وترك حصاره وعزم بالذهاب إلى الكرك لنصرة أحمد ابن أستاذه ، وتهيأ له نائب الشام بدمشق ، ونادى في الجيش لملتقاه ومدافعته عما يريد من إقامة الفتنة وشق العصا ، واهتم الجند لذلك ، وتأهبوا واستعدوا ، ولحقهم في ذلك كلفة كثيرة ، وانزعج الناس بسبب ذلك ، وتخوفوا أن تكون فتنة ، وحسبوا إن وقع قتال بينهم أن تقوم العشيرات في الجبال وحوران ، وتتعطل مصالح الزراعات وغير ذلك ، ثم قدم من حلب حاجب السلطان في الرسلية إلى نائب دمشق الأمير علاء الدين ألطنبغا ومعه مشافهة فاستمع لها ، فبعث معه صاحب الميسرة أيان الساقي ، فذهبا إلى حلب ثم [ ص: 431 ] رجعا في أواخر جمادى الآخرة ، وتوجها إلى الديار المصرية ، واشتهر أن الأمر على ما هو عليه حتى توافق على ما ذكر من رجوع أولاد الملك الناصر إلى مصر ما عدا المنصور ، وأن يخلى عن محاصرة الكرك .

وفي العشر الأخير من جمادى الأولى توفي مظفر الدين موسى بن مهنا ملك العرب ، ودفن بتدمر .

وفي صبيحة يوم الثلاثاء ثاني جمادى الآخرة عند طلوع الشمس توفي الخطيب بدر الدين محمد ابن القاضي جلال الدين القزويني ، بدار الخطابة بعد رجوعه من الديار المصرية كما قدمنا ، فخطب جمعة واحدة ، وصلى بالناس إلى ليلة الجمعة الأخرى ، ثم مرض ، فخطب عنه أخوه تاج الدين عبد الرحيم على العادة ثلاث جمع وهو مريض إلى أن توفي يومئذ ، وتأسف الناس عليه; لحسن شكله ، وصباحة وجهه ، وحسن ملتقاه ، وتواضعه ، واجتمع الناس للصلاة عليه الظهر ، فتأخر تجهيزه إلى العصر ، فصلى عليه بالجامع قاضي القضاة تقي الدين السبكي ، وخرج به الناس إلى الصوفية ، وكانت جنازته حافلة جدا ، فدفن عند أبيه بالتربة التي أنشأها الخطيب بدر الدين هناك ، رحمه الله .

وفي يوم الجمعة خامس الشهر بعد الصلاة خرج نائب السلطنة الأمير علاء الدين ألطنبغا هو وجميع الجيش قاصدين البلاد الحلبية; للقبض على نائب حلب [ ص: 432 ] الأمير سيف الدين طشتمر; لأجل ما أظهر من القيام مع ابن السلطان الأمير أحمد الذي في الكرك ، وخرج الناس في يوم شديد المطر كثير الوحل ، وكان يوما مشهودا عصيبا ، أحسن الله العاقبة .

وأمر القاضي تقي الدين السبكي الخطيب والمؤذنين بزيادة أذكار على الذي كان سنه فيهم الخطيب بدر الدين ، من التسبيح ، والتحميد ، والتهليل الكثير ثلاثا وثلاثين ، فزادهم السبكي قبل ذلك : أستغفر الله العظيم - ثلاثا - اللهم أنت السلام ومنك السلام ، تباركت يا ذا الجلال والإكرام .

كما ثبت في " صحيح مسلم " . وبعد صلاة الصبح والمغرب - بعد التسبيح والتحميد والتكبير - : اللهم أجرنا من النار سبعا ، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثا ، وكانوا قبل تلك السنوات قد زادوا بعد التأذين الآية ليلة الجمعة ، والتسليم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبتدئ الرئيس منفردا ثم يعيد عليه الجماعة بطريقة حسنة ، وصار ذلك سببا لاجتماع الناس في صحن الجامع لاستماع ذلك ، وكلما كان المبتدئ حسن الصوت كانت الجماعة أكثر اجتماعا ، ولكن طال بسبب ذلك الفصل ، وتأخرت الصلاة عن أول وقتها .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث