الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب في استبراء الإماء : ويجب الاستبراء في ثلاثة مواضع : أحدها : إذا ملك أمة لم يحل له وطؤها ولا الاستمتاع بها بمباشرة ، ولا قبلة حتى يستبرئها إلا المسبية هل له الاستمتاع بها فيما دون الفرج ؛ على روايتين . سواء ملكها من صغير ، أو كبير ، أو رجل ، أو امرأة ، وإن أعتقها قبل استبرائها لم يحل له نكاحها حتى يستبرئها ولها نكاح غيره إن لم يكن بائعها يطؤها . والصغيرة التي لا يوطأ مثلها ، هل يجب استبراؤها ؛ على وجهين ، وإن اشترى زوجته ، أو عجزت مكاتبته ، أو فك أمته من الرهن ، أو أسلمت المجوسية ، أو المرتدة ، أو الوثنية ، أو التي حاضت عنده ، أو كان هو المرتد فأسلم ، أو اشترى مكاتبة ذوات رحمه فحضن عنده ، ثم عجز ، أو اشترى عبده التاجر أمة فاستبرأها ، ثم أخذها سيده حلت من غير استبراء ، وإن وجد الاستبراء في يد البائع قبل القبض أجزأ ، ويحتمل ألا يجزئ ، وإن باع أمته ، ثم عادت إليه بفسخ ، أو غيره بعد القبض وجب استبراؤها ، وإن كان قبله ، فعلى روايتين . وإن اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قبل الدخول لزم استبراؤها ، وإن كان بعده لم يجب في أحد الوجهين .

التالي السابق


باب في استبراء الإماء

الاستبراء - بالمد - طلب براءة الرحم كالاستعطاء ، والاستمناء طلب العطاء والمني ، وخص هذا بالأمة للعمل ببراءة رحمها من الحمل ، والحرة وإن شاركت الأمة في هذا الغرض فهي مفارقة لها في التكرار ، فلذلك يستعمل فيها لفظ العدة ( ويجب الاستبراء في ثلاثة مواضع : أحدها : إذا ملك أمة ) تحل له ، ومثلها يوطأ لمثله ، قاله في " الرعاية " ( لم يحل له وطؤها ) حتى يستبرئها [ ص: 149 ] بكرا كانت أو ثيبا ، صغيرة كانت أو كبيرة ، ممن تحمل أو لا في قول أكثر العلماء ، وقال ابن عمر : لا يجب استبراء البكر ، ذكره البخاري ; لأن الغرض بالاستبراء معرفة براءتها من الحمل ، وهذا معلوم في البكر ، وقال الليث : إن كانت ممن لا تحمل لم يجب استبراؤها ، وجوابه : ما رواه أحمد ، وأبو داود ، والبيهقي بإسناد جيد ، وفيه شريك القاضي ، عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير ذات حمل حتى تحيض وعن رويفع بن ثابت مرفوعا : فلا يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة رواه أبو داود ، وقوله " بحيضة " ليس بمحفوظ ، ورواه الترمذي وغيره ، ولفظه : لا يسقي ماءه زرع غيره وإسناده حسن ، وقال أحمد : بلغني أن العذراء تحمل ، ولأنه يفضي إلى اختلاط المياه وفساد الأنساب ( ولا الاستمتاع بها بمباشرة ، ولا قبلة ) ونظر لشهوة ( حتى يستبرئها ) رواية واحدة ، قاله في " الشرح " ; لأنه لا يأمن أن تكون حاملا من مالكها الأول فتكون أم ولد ، فيحصل الاستمتاع بأم ولد غيره ، وبهذا فارق الحيض ، وعنه : لا يحرم إلا بالوطء ذكره في " الإرشاد " ، واختاره في " الهدي " واحتج بجواز الخلوة ، والنظر ، وأنه لا يعلم في جواز هذا نزاعا ( إلا المسبية هل له الاستمتاع بها فيما دون الفرج على روايتين ) إحداهما : تحرم مباشرتها ، والنظر إليها لشهوة في ظاهر الخرقي ، وقدمه في " الرعاية " ، و " الفروع " ، قال في " الشرح " : هو الظاهر عن أحمد ; لأنه استبراء يحرم الوطء فحرم دواعيه كالعدة وكالمبيعة ، والثانية : لا يحرم لفعل ابن عمر ، ولأنه لا يخشى انفساخ ملكه لها بحملها ، فلا يكون مستمتعا إلا [ ص: 150 ] بمملوكه ، والأول أصح ، قاله في " المغني " ، وقال حديث ابن عمر : لا حجة فيه ; لأنه ذكره على سبيل العيب على نفسه ; لقوله فقمت إليها فقبلتها ، والناس ينظرون ، فإن كانت غير المسبية آيسة ، أو صغيرة ، لا تحيض فهل له التلذذ بلمسها وتقبيلها في زمان الاستبراء ؛ فيه روايتان ، وإن كانت حاملا حرم ذلك في الصحيح من المذهب ، وظاهره أن فيه قولا آخر أنه يباح ، وعنه لا استبراء لمن لا تحيض لصغر ، أو تأخر حيض ، أو إياس ، قاله في " الرعاية " ( سواء ملكها من صغير ، أو كبير ، أو رجل ، أو امرأة ) أو مجبوب أو من رجل قد استبرأها ، ثم لم يطأها لحديث أبي سعيد ، ولأنه يجب للملك المتجدد ، وذلك موجود في كل واحد منهما ، ولأنه يجوز أن تكون حاملا من غير البائع فوجب استبراؤها كالمسبية من امرأة ، وعنه : لا يلزم مالكا من طفل ، أو امرأة كامرأة على الأصح ، وعنه : وطفل ، وعنه لا يلزم في مسبية ، ذكره الحلواني ، وفي " الترغيب " وجه لا يلزم في إرث ، وخالف الشيخ تقي الدين في بكر كبيرة ، أو آيسة ( وإن أعتقها قبل استبرائها لم يحل له نكاحها حتى يستبرئها ) فلو خالف وفعل لم يصح ; لأن النكاح يراد للوطء ، وذلك حرام ، وقال الحنفية : له ذلك ، ويروى أن الرشيد اشترى جارية فأفتاه أبو يوسف بذلك ، أي : يعتقها ويتزوجها ويطؤها ، قال الإمام أحمد : ما أعظم هذا ! ! أبطلوا الكتاب ، والسنة ، فإن كانت حاملا كيف يصنع ؛ وهذا لا يدري أهي حامل أم لا ؛ ما أسمج هذا ! وعنه : يصح ، ولا يطأ لما ذكرنا ، وعنه : يتزوجها إن كان بائعها استبرأ ، ولم يطأ . صححه في " المحرر " وغيره . ( ولها نكاح غيره [ ص: 151 ] إن لم يكن بائعها يطؤها ) لأنها حرة لم تكن فراشا ، فكان لها نكاح غير معتقها كما لو أعتقها مالكها ، وعبر المؤلف بالبائع ; لأن البيع أغلب من غيره ، وظاهره أنه ليس له ذلك إن كان البائع يطؤها لما فيه من اختلاط المياه واشتباه الأنساب ، والتمكين من وطء امرأة لا يعلم براءة رحمها ، والفرق بين الموطوءة وغيرها أن الموطوءة فراش ، فلم يحل وطؤها حتى يعلم براءة رحمها كزوجة الغير ، وغير الموطوءة ، فإنها ليست فراشا ، فلم يتوقف على ذلك وبين المشتري وغيره أن المشتري لا يحل له وطؤها بملك اليمين ، فكذا النكاح ; لأنه يتخذ حيلة لإبطال الاستبراء ، والحيل كلها خداع باطلة . ( والصغيرة التي لا يوطأ مثلها ، هل يجب استبراؤها ؛ على وجهين ) كذا أطلق الخلاف في " المحرر " ، و " الفروع " وحكياه روايتين : إحداهما : يجب ، وهو ظاهر كلامه في أكثر الروايات عنه ، فإنه قال تستبرأ ، وإن كانت في المهد وتحرم مباشرتها كالكبيرة ; لأن الاستبراء يجب عليها بالعدة ، كذلك هذا ، والثانية : لا يجب ، وجزم به في " الوجيز " وصححه في " الشرح " ، واختاره ابن أبي موسى ; لأن سبب الإباحة متحقق ، وليس على تحريمها دليل ، فإنه لا نص فيه ، ولا هو في معنى المنصوص ، ولا يراد لبراءة الرحم ، ولا يوجد الشغل في حقها .


( وإن اشترى زوجته ) لم يلزمه استبراء ; لأنها فراش له ، لكن يستحب ذلك ليعلم هذا الولد من النكاح ليكون عليه ولاؤه ; لأنه عتق بملكه ، ولا تصير به أم ولد ، وأوجبه بعض أصحابنا لتجدد الملك ، قاله في " الروضة " ، قال : ومتى ولدت لستة أشهر فأكثر فأم ولد ، ولو أنكر الولد بعد أن يقر بوطئها ، لا لأقل [ ص: 152 ] منها ، ولا مع دعوى استبراء ، وكذا لو اشترى مطلقته دون الثلاث لم يجب ، وقيل : يكره ( أو عجزت مكاتبته ) حلت لسيدها بغير استبراء ; لأنه لم تزل ملكه ( أو فك أمته من الرهن ) حلت بغير خلاف ; لأن الاستبراء إنما شرع لمعنى مظنة تجديد الملك ، فلا يشرع مع تخلف المظنة ، والمعنى ( أو أسلمت المجوسية ، أو المرتدة ، أو الوثنية ، أو التي حاضت عنده ) فإنها تحل ، وهذا هو الأصح ; لأن الملك لم يتجدد بالإسلام ، ولا أصاب واحدة منهن وطء غيره ، فلم يلزمه استبراء ، أشبه ما لو حلت المحرمة من إمائه ، والآخر لا تحل له حتى يجدد استبراءها بعد إسلامها ; لأن ملكه تجدد على استمتاعها ، أشبه ما لو تجدد ملكه على رقبتها ، وجوابه : أن الاستبراء إنما وجب كي لا يفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب ، ومظنة ذلك تجديد الملك على رقبتها ، ولم يوجد ، أما إذا ملكهن قبل الاستبراء لم تحل له واحدة منهن حتى يستبرئها ، أو تتم ما بقي من استبرائها ، ومفهوم كلامه أن من ذكر إذا لم يحضن عنده أنه لا يجوز للمشتري الوطء قبل الاستبراء ، وصرح به في " المغني " وغيره لدخوله في عموم الأخبار ، ولأن ذلك تجديد ملك لم يحصل فيه استبراء ، فلم يحل الوطء قبله كالمسلمة ( أو كان هو المرتد فأسلم ) فهي حلال بغير استبراء ; لأن إسلامه لم يتجدد له به ملك ، أشبه إسلام المرتدة ( أو اشترى مكاتبة ذوات رحمه فحضن عنده ، ثم عجز ) حلت للسيد بغير استبراء ذكره أصحابنا ; لأنه يصير حكمها حكم المكاتب إن رق رقت ، وإن عتق عتقت ، والمكاتب عبد ما بقي [ ص: 153 ] عليه درهم ، وفي الوجه يجب الاستبراء صححه في " المحرر " للعموم ، وظاهره أن المكاتب إذا اشترى غير محارمه ، ثم عجز تحل له بغير استبراء ، وصرح به في " الكافي " وغيره ; لأنه ليس للسيد ملك على ما في يد مكاتبه ، ولأنه تجدد له ملك ( أو اشترى عبده التاجر أمة فاستبرأها ، ثم أخذها سيده ) أي : بعد استبرائها ( حلت له من غير استبراء ) لأن ملكه ثابت على ما في يد عبده ، وقيل : إن كان عليه دين قضاه سيده ، ثم استبرأها لنفسه . ( وإن وجد الاستبراء في يد البائع قبل القبض أجزأ ) في أظهر الوجهين ; لأن الملك ينتقل به ( ويحتمل ألا يجزئ ) لأن القصد معرفة براءة رحمها من ماء البائع ، ولا يحصل ذلك مع كونها في يده ، وعنه لا يجزئ إلا في الموروثة ويكفي قبض الوكيل على الأصح ، فلو ملك بعضها ، ثم ملك باقيها لم يحتسب إلا من حين ملك باقيها ، فإن ملكها ببيع خيار فهل يجزئ استبراؤها ، إذا قلنا ينقل الملك ؛ على وجهين ، وإن كان المبيع معيبا فابتداؤه من حين البيع ; لأن العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف ( وإن باع أمته ، ثم عادت إليه بفسخ ، أو غيره بعد القبض وجب استبراؤها ) أي : حيث انتقل الملك ; لأنه تجديد ملك ، سواء كان المشتري لها رجلا ، أو امرأة ( وإن كان قبله ، فعلى روايتين ) قال ابن هبيرة : أظهرهما أنه يجب ; لأنه تجديد ملك ، والثانية : لا ، وهي قول أكثر العلماء ; لأنه لا فائدة في الاستبراء مع يقين البراءة وكما لو اشتراها منه امرأة ، ولو فسخ كخيار شرط ، وقلنا يمنع نقل الملك لم يلزمه استبراء ، وإن قبضت منه ، قاله في " المحرر " ويكفي استبراء من ملك بشراء ووصية وغنيمة [ ص: 154 ] وغيرها قبل قبض . ( وإن اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قبل الدخول لزم استبراؤها ) نص عليه ، وقال : هذه حيلة وضعها بعضهم ; لأنه تجديد ملك كما لو لم تكن مزوجة ، ولأن إسقاطه هنا ذريعة إلى إسقاطه في حق من أراد إسقاطه بأن تزوجها عند بيعها ، ثم يطلقها زوجها بعد تمام البيع ، والحيل حرام ، وكذا لو اشترى مطلقة قبل الدخول ، فإن طلقت بعد الدخول ، أو مات زوجها قبله ، أو بعده ، أو اشترى معتدة ففي وجوب الاستبراء بعد العدة وجهان : أحدهما : لا يجب ; لأن براءتها قد علمت بها ، والثاني : بلى كالعدتين من رجلين ( وإن كان بعده لم يجب في أحد الوجهين ) صححه ابن المنجا ، وهو ظاهر " الوجيز " ; لأن الاستبراء لبراءة رحمها ، وذلك حاصل بالعدة كما لو عتقت ، والثاني : يجب لما سبق .

فرع : إذا زوج أمته فطلقت لم يلزمه استبراء إلا إن كان دخل بها ، أو مات ، فإنها تعتد



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث