الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى

وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب

معطوف على جملة وما تفعلوا من خير يعلمه الله باعتبار ما فيها من الكناية عن الترغيب في فعل الخير ، والمعنى : وأكثر من فعل الخير .

والتزود إعداد الزاد وهو الطعام الذي يحمله المسافر ، وهو تفعل مشتق من اسم جامد وهو الزاد ، كما يقال تعمم وتقمص ؛ أي : جعل ذلك معه .

[ ص: 236 ] فالتزود مستعار للاستكثار من فعل الخير استعدادا ليوم الجزاء ، شبه بإعداد المسافر الزاد لسفره بناء على إطلاق اسم السفر والرحيل على الموت . قال الأعشى في قصيدته التي أنشأها لمدح النبيء صلى الله عليه وسلم وذكر فيها بعض ما يدعو النبيء إليه ، أخذا من هذه الآية وغيرها :


إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا     ندمت على أن لا تكون كمثله
وأنك لم ترصد بما كان أرصدا



فقوله : فإن خير الزاد التقوى بمنزلة التذييل ؛ أي : التقوى أفضل من التزود للسفر ، فكونوا عليها أحرص .

ويجوز أن يستعمل التزود مع ذلك في معناه الحقيقي على وجه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه ، فيكون أمرا بإعداد الزاد لسفر الحج تعريضا بقوم من أهل اليمن كانوا يجيئون إلى الحج دون أي زاد ويقولون : نحن متوكلون على الله ، فيكونون كلا على الناس بالإلحاف .

فقوله : فإن خير الزاد إلخ - إشارة إلى تأكيد الأمر بالتزود تنبيها بالتفريع على أنه من التقوى ؛ لأن فيه صيانة ماء الوجه والعرض .

وقوله : واتقون بمنزلة التأكيد لقوله : فإن خير الزاد التقوى ولم يزد إلا قوله : يا أولي الألباب المشير إلى أن التقوى مما يرغب فيه أهل العقول .

والألباب : جمع لب وهو العقل ، واللب من كل شيء : الخالص منه ، وفعله لبب يلب - بضم اللام - قالوا : وليس في كلام العرب فعل يفعل - بضم العين - في الماضي والمضارع من المضاعف إلا هذا الفعل ، حكاه سيبويه عن يونس ، وقال ثعلب : ما أعرف له نظيرا .

فقوله : فإن خير الزاد التقوى بمنزلة التذييل ؛ أي : التقوى أفضل من التزود للسفر ، فكونوا عليها أحرص ، وموقع قوله : واتقون يا أولي الألباب على احتمال أن يراد بالتزود معناه الحقيقي مع المجازي - إفادة الأمر بالتقوى التي هي زاد الآخرة بمناسبة الأمر بالتزود ؛ لحصول التقوى الدنيوية بصون العرض .

[ ص: 237 ] والتقوى مصدر اتقى إذا حذر شيئا ، وأصلها تقي قلبوا ياءها واوا للفرق بين الاسم والصفة ، فالصفة بالياء كامرأة تقيى كخزيى وصديى ، وقد أطلقت شرعا على الحذر من عقاب الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه ، وقد تقدمت عند قوله تعالى : هدى للمتقين

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث