الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 251 ] 467

ثم دخلت سنة سبع وستين وأربعمائة .

ذكر وفاة القائم بأمر الله وذكر بعض سيرته .

في هذه السنة ، ليلة الخميس ثالث عشر شعبان ، توفي القائم بأمر الله أمير المؤمنين ، رضي الله عنه ، واسمه عبد الله أبو جعفر بن القادر بالله أبي العباس أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بالله أبي الفضل بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد .

وكان سبب موته أنه قد أصابه شرى ، فافتصد ، ونام منفردا ، فانفجر فصاده ، وخرج منه دم كثير ولم يشعر ، فاستيقظ وقد ضعف وسقطت قوته ، فأيقن بالموت ، فأحضر ولي العهد ، ووصاه بوصايا ، وأحضر النقيبين وقاضي القضاة وغيرهم مع الوزير ابن جهير ، وأشهدهم على نفسه أنه جعل ابن ابنه أبا القاسم عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله ولي عهده .

ولما توفي غسله الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي ، وصلى عليه المقتدي بأمر الله .

وكان عمره ستا وسبعين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام ، وخلافته أربعا وأربعين سنة وثمانية أشهر وأياما ، وقيل كان مولده ثامن عشر ذي [ ص: 252 ] الحجة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة ، ( وعلى هذا يكون عمره ستا وسبعين سنة وتسعة أشهر وخمسة وعشرين يوما .

وأمه أم ولد تسمى قطر الندى ، أرمنية ، وقيل رومية ، أدركت خلافته ، وقيل اسمها علم . وماتت في رجب سنة اثنين وخمسين وأربعمائة .

وكان القائم جميلا ، مليح الوجه ، أبيض ، مشربا حمرة ، حسن الجسم ، ورعا ، دينا ، زاهدا ، عالما قوي اليقين بالله تعالى ، كثير الصبر ، وكان للقائم عناية بالأدب ، ومعرفة حسنة بالكتابة ، ولم يكن يرتضي أكثر ما يكتب من الديوان ، فكان يصلح فيه أشياء ، وكان مؤثرا للعدل والإنصاف يريد قضاء حوائج الناس ، لا يرى المنع من شيء يطلب منه .

قال محمد بن علي بن عامر الوكيل : دخلت يوما إلى المخزن ، فلم يبق أحد إلا أعطاني قصة ، فامتلأت أكمامي منها ، فقلت في نفسي : لو كان الخليفة أخي لأعرض عن هذه كلها ، فألقيتها في بركة ، والقائم ينظر ولا أشعر ، فلما دخلت إليه أمر الخدم بإخراج الرقاع من البركة ، فأخرجت ، ووقف عليها ، ووقع فيها بأغراض أصحابها ، ثم قال لي : ما حملك على هذا ؟ فقلت : خوف الضجر منها ، فقال : لا تعد إلى مثلها ! فإنا ما أعطيناهم من أموالنا شيئا ، إنما نحن وكلاء .

ووزر للقائم أبو طالب محمد بن أيوب ، وأبو الفتح بن دارست ، ورئيس الرؤساء ، وأبو نصر بن جهير ، وكان قاضيه ابن ماكولا ، وأبو عبد الله الدامغاني .

ذكر خلافة المقتدي بأمر الله .

لما توفي القائم بأمر الله بويع المقتدي بأمر الله بن محمد بن القائم بالخلافة ، وحضر مؤيد الملك بن نظام الملك ، والوزير فخر الدولة بن جهير وابنه [ ص: 253 ] عميد الدولة ، والشيخ أبو إسحاق ، وأبو نصر بن الصباغ ، ونقيب النقباء طراد ، والنقيب الطاهر المعمر بن محمد ، وقاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني ، وغيرهم من الأعيان والأماثل ، فبايعوه .

وقيل : كان أول من بايعه الشريف أبو جعفر بن أبي موسى الهاشمي ، فإنه لما فرغ من غسل القائم بايعه ، وأنشده :


إذا سيد منا مضى قام سيد



ثم أرتج عليه ، فقال المقتدي :

قئول بما قال الكرام فعول



فلما فرغوا من البيعة صلى بهم العصر .

ولم يكن للقائم من أعقابه ذكر سواه ، فإن الذخيرة أبا العباس محمد بن القائم توفي أيام أبيه ولم يكن له غيره ، فأيقن الناس بانقراض نسله ، وانتقال الخلافة من البيت القادري إلى غيره ، ولم يشكوا في اختلال الأحوال بعد القائم ، لأن من عدا البيت القادري كانوا يخالطون العامة في البلد ، ويجرون مجرى السوقة ، فلو اضطر الناس إلى خلافة أحدهم لم يكن له ذلك القبول ، ولا تلك الهيبة ، فقدر الله تعالى أن الذخيرة أبا العباس كان له جارية اسمها أرجوان ، وكان يلم بها ، فلما توفي ورأت ما نال القائم من المصيبة واستعظمه من انقراض عقبه ، ذكرت أنها حامل ، فتعلقت النفوس بذلك ، فولدت بعد موت سيدها بستة أشهر المقتدي ، فاشتد فرح القائم ، وعظم سروره وبالغ [ في ] الإشفاق عليه والمحبة له .

فلما كانت حادثة البساسيري كان للمقتدي قريب أربع سنين ، فأخفاه أهله ، وحمله أبو الغنائم بن المحلبان إلى حران ، كما ذكرنا ولما عاد القائم إلى بغداذ أعيد المقتدي إليه . فلما بلغ الحلم جعله ولي عهد ، ولما ولي الخلافة أقر فخر الدولة [ ص: 254 ] بن جهير على وزارته بوصية من القائم بذلك ، وسير عميد الدولة بن فخر الدولة بن جهير إلى السلطان ملكشاه لأخذ البيعة ، وكان مسيره في شهر رمضان ، وأرسل معه من أنواع الهدايا ما يجل عن الوصف .

ذكر عدة حوادث .

في هذه السنة ، في شوال ، وقعت نار ببغداذ في دكان خباز بنهر المعلى ، فاحترقت من السوق مائة وثمانون دكانا سوى الدور ، ثم وقعت نار في المأمونية ، ثم في الظفرية ، ثم في درب المطبخ ، ثم في دار الخليفة ، ثم في حمام السمرقندي ، ثم في باب الأزج ودرب خراسان ، ثم في الجانب الغربي في نهر طابق ، ونهر القلائين ، والقطيعة ، وباب البصرة ، واحترق ما لا يحصى .

وفيها أرسل المستنصر بالله العلوي ، صاحب مصر ، إلى صاحب مكة ابن أبي هاشم رسالة وهدية جلية ، وطلب منه أن يعيد الخطبة بمكة حرسها الله تعالى ، وقال : إن أيمانك وعهودك كانت للقائم ، وللسلطان ألب أرسلان ، وقد ماتا ، فخطب له بمكة وقطع خطبة المقتدي ، وكانت مدة الخطبة العباسية بمكة أربع سنين وخمسة أشهر ، ثم أعيدت في ذي الحجة سنة ثمان وستين [ وأربعمائة ] .

[ ص: 255 ] وفيها كانت الحرب شديدة بين بني رياح وزغبة ببلاد إفريقية ، فقويت بنو رياح على زغبة فهزموهم وأخرجوهم عن البلاد .

وفيها جمع نظام الملك ، والسلطان ملكشاه ، جماعة من أعيان المنجمين ، وجعلوا النيروز أول نقطة من الحمل ، وكان النيروز قبل ذلك عند حلول الشمس نصف الحوت . وصار ما فعله السلطان مبدأ التقاويم .

وفيها أيضا عمل الرصد للسلطان ملكشاه ، واجتمع جماعة من أعيان المنجمين في عمله منهم : عمر بن إبراهيم الخيامي ، وأبو المظفر الإسفزاري وميمون بن النجيب الواسطي ، وغيرهم ، وخرج عليه من الأموال شيء عظيم ، وبقي الرصد دائرا إلى أن مات السلطان سنة خمس وثمانين وأربعمائة ، فبطل ( بعد موته ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث