الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب الكنايات ( كنايته ) عند الفقهاء ( ما لم يوضع له ) أي الطلاق ( واحتمله ) وغيره ( ف ) الكنايات ( لا تطلق بها ) [ ص: 297 ] قضاء ( إلا بنية أو دلالة الحال ) وهي حالة مذاكرة الطلاق أو الغضب ، [ ص: 298 ] فالحالات ثلاث : رضا وغضب ومذاكرة والكنايات ثلاث ما يحتمل الرد أو ما يصلح للسب ، أو لا ولا ( فنحو اخرجي واذهبي وقومي ) تقنعي تخمري استتري انتقلي انطلقي اغربي اعزبي من الغربة أو من العزوبة ( يحتمل ردا ، ونحو خلية برية حرام [ ص: 299 - 300 ] بائن ) ومرادفها كبتة بتلة ( يصلح سبا ، ونحو اعتدي واستبرئي رحمك ، أنت واحدة ، أنت حرة ، اختاري أمرك بيدك سرحتك ، فارقتك لا يحتمل السب والرد ، ففي حالة الرضا ) أي غير الغضب والمذاكرة ( تتوقف الأقسام ) الثلاثة تأثيرا ( على نية ) للاحتمال والقول له [ ص: 301 ] بيمينه في عدم النية ويكفي تحليفها له في منزله ، فإن أبى رفعته للحاكم فإن نكل فرق بينهما مجتبى .

( وفي الغضب ) توقف ( الأولان ) إن نوى وقع وإلا لا ( وفي مذاكرة الطلاق ) يتوقف ( الأول فقط ) ويقع [ ص: 302 ] بالأخيرين وإن لم ينو لأن مع الدلالة لا يصدق قضاء في نفي النية لأنها أقوى لكونها ظاهرة ، والنية باطنة ولذا تقبل بينتها على الدلالة لا على النية إلا أن تقام على إقراره بها عمادية ، ثم في كل موضع تشترط النية فلو السؤال بهل يقع بقول نعم إن نويت ، ولو بكم يقع بقول واحدة ولا يتعرض لاشتراط النية بزازية فليحفظ .

التالي السابق


باب الكنايات لما فرغ من أحكام الصريح الذي هو الأصل في الكلام لما أنه موضوع للإفهام والصريح أدخل فيه شرع في الكنايات ، وهو مصدر كنا يكن إذا ستر نهر ( قوله كنايته عند الفقهاء ) أي كناية الطلاق المرادة في هذا المحل وإلا فمعناها عندهم مطلقا كالأصوليين : ما استتر المراد منه في نفسه قال في النهر : وخرج بالأخير ما استرد المراد في الصريح بواسطة نحو غرابة اللفظ أو انكشف المراد في الكناية بواسطة التفسير ، والصريح والكناية من أقسام الحقيقة والمجاز فالحقيقة التي لم تهجر صريح والمهجورة التي غلب معناها المجاز كناية ، والمجاز الغالب الاستعمال صريح وغير غالب كناية . ا هـ . ح ( قوله ما لم يوضع له إلخ ) أي بل وضع لما هو أعم منه ومن حكمه لأن ما سوى الثلاث الرجعية الآتية لم يرد به الطلاق أصلا ، بل هو حكمه في البينونة من النكاح ; وعليه ففي قوله واحتمله تساهل ، والمراد احتمله متعلقا لمعناه ، وأفاده في الفتح ، وأشار به إلى عدم حصرها ، لذلك قال في شرح الملتقى ثم ألفاظ الكناية كثيرة ترتقي إلى أكثر من خمسة وخمسين لفظا على ما في النظم والنتف وزيد غيرها فتنبه . ا هـ . ومنها عديت عنها فيقع به البائن بالنية كما أفتى به الشيخ إسماعيل الحائك . قلت : ومنها أنت خالصة المستعمل في زماننا فإنه في معنى خلية وبرية تأمل .

وفي البزازية : قال لآخر إن كنت تضربني لأجل فلانة التي تزوجتها فإني تركتها فخذها ونوى الطلاق تقع واحدة بائنة .

[ تنبيه ] أفتى بعض المتأخرين بأن منها على يمين لا أفعل كذا ناويا الطلاق ، فتقع به واحدة بائنة لقولهم الكناية ما احتمل الطلاق وغيره ، ورده عليه السيد محمد أبو السعود في حاشية مسكين بأنه لا يلزمه إلا كفارة يمين لأن ما ذكروه في تعريف الكناية ليس على إطلاقه ، بل هو مقيد بلفظ يصح خطابها به ويصلح لإنشاء الطلاق الذي أضمره أو للأخيار بأنه أوقعه كأنت حرام ، إذ يحتمل لأني طلقتك أو حرام الصحبة وكذا بقية الألفاظ ، وليس لفظ اليمين كذا إذا لا يصح بأن يخاطبها بأنت يمين فضلا عن إرادة إنشاء الطلاق به أو الإخبار بأنه أوقعه حتى لو قال أنت يمين لأني طلقتك لا يصح فليس كل ما احتمل الطلاق من كنايته بل بهذين القيدين ولا بد من ثالث هو كون اللفظ مسببا عن الطلاق وناشئا عنه كالحرمة في أنت حرام ونقل في البحر عدم الوقوع ، بلا أحبك لا أشتهيك لا رغبة لي فيك وإن نوى . ووجهه أن معاني هذه الألفاظ ليست ناشئة عن الطلاق لأن الغالب الندم بعده فتنشأ المحبة والاشتهاء والرغبة ، بخلاف الحرمة ، فإذا لم يقع بهذه الألفاظ مع احتمال أن يكون المراد لأني طلقتك ، ففي لفظ اليمين بالأولى ، لأنهم قسموا الكناية ثلاثة أقسام كما يأتي ما يصلح جوابا لسؤال الطلاق لا غير كاعتدي ، وما يصلح جوابا وردا لسؤالها كاخرجي ; وما يصلح جوابا وسبا كخلية ، ولا شك أن هذا اللفظ غير [ ص: 297 ] صالح لشيء من الثلاثة لأنها إذا سألته الطلاق لا يصلح جوابها بقوله علي يمين لأفعلن كذا لأن الجواب يكون بما يدل على إنشاء الطلاق إجابة لسؤالها كاعتدي أو على عدمه ردا لطلبها كاخرجي أو سبا لها كخلية ، وعلي يمين لا يدل على إنشاء الطلاق ا هـ ملخصا مع زيادة ، ثم قال وبه ظهر أن ما نقل عن فتاوى الطوري إذا قال أيمان المسلمين تلزمني تطلق امرأته خطأ فاحش ، وسمعت كثيرا من شيخنا أن فتاوى الطوري كفتاوى ابن نجيم لا يوثق بها إلا إذا تأيدت بنقل آخر ا هـ

واعترضه ط بأن علي يمين يحتمل الطلاق وغيره يكون به وبالله تعالى ، فحيث نوى الطلاق عملت نيته وكأنه قال علي الطلاق لا أفعل كذا ; وتقدم أن علي الطلاق من التعليق المعنوي وما في فتاوى الطوري من تخصيصه بالطلاق للعرف كحلال المسلمين علي حرام . ا هـ .

أقول : والحاصل أن علي يمين ليس كناية لما مر ، وليس صريحا لأنه ما لا يستعمل إلا في الطلاق ، وهذا ليس كذلك ، وهو ظاهر ، لكن لفظ اليمين جنس من إفراده الحلف بالطلاق ، فإذا عينه بالنية صار كأنه قال علي حلف بالطلاق لا أفعل كذا وهو لو صرح بهذا المنوي صار حالفا به والأعم إذا أريد به الأخص ثبت به حكم ذلك الأخص ; والأخص هنا طلاق صريح فتقع به واحدة رجعية لا بائنة .

وفي أيمان البزازية من الفصل الثاني قال : لي حلف أو قال لي حلف بالطلاق أن لا أفعل كذا ثم فعل طلقت وحنث وإن كان كاذبا وقدمنا في أول فصل الصريح عن جامع الفصولين إن فعلت كذا تجري كلمة الشرع بيني وبينك ينبغي أن يصح اليمين علي الطلاق لأنه متعارف بينهم فيه ; وقدمنا هناك أيضا عن الذخيرة لو قال لها ألف نون تاء طاء ألف لام قاف إن نوى الطلاق تطلق لأن هذه الحروف يفهم منها ما هو المفهوم من الصريح إلا أنها لا تستعمل كذلك فصارت كالكناية في الافتقار إلى النية ، فهذا يدل على أنه لو أراد باليمين الطلاق يصح ويقع به رجعية إذا حنث .

وأما أيمان المسلمين فإنه جمع يمين والإضافة إلى المسلمين قرينة على أنه أراد جميع أنواع الأيمان التي يحلف بها المسلمون كاليمين بالله تعالى والطلاق والعتاق المعلقين وسيأتي لهذا زيادة بيان في كتاب الأيمان إن شاء الله تعالى ( قوله قضاء ) قيد به لأنه لا يقع ديانة بدون النية ، ولو وجدت دلالة الحال فوقوعه بواحد من النية أو دلالة الحال إنما هو في القضاء فقط كما هو صريح البحر وغيره ( قوله أو دلالة الحال ) المراد بها الحالة الظاهرة المفيدة لمقصوده ومنها ما تقدم ذكر الطلاق بحر عن المحيط ; ومقتضى إطلاقه هنا كالكنز أن الكنايات كلها يقع بها الطلاق بدلالة الحال . قال في البحر : وقد تبع في ذلك القدوري والسرخسي في المبسوط ; وخالفهما فخر الإسلام وغيره من المشايخ فقالوا بعضها لا يقع بها إلا بالنية ا هـ وأراد بهذا بعض ما يحتمل الرد كاخرجي واذهبي وقومي ; لكن المصنف وافق المشايخ في التفصيل الآتي فبقي الاعتراض على عبارة الكنز . وأجاب عنه في النهر بما ذكره ابن كمال باشا في إيضاح الإصلاح بأن صلاحية هذه الصور للرد كانت معارضة لحال مذاكرة الطلاق فلم يبق الرد دليلا ; فكانت الصورة المذكورة خالية عن دلالة الحال ولذلك توقف فيها على النية . ا هـ . ( قوله وهي حالة مذاكرة الطلاق ) أشار به إلى ما في النهر من أن دلالة الحال تعم دلالة المقال قال : وعلى هذا فتفسر المذاكرة بسؤال الطلاق أو تقديم الإيقاع كما في اعتدي ثلاثا وقال قبله المذاكرة أن تسأله هي أو أجنبي الطلاق ( قوله أو الغضب ) ظاهره أنه [ ص: 298 ] معطوف على مذاكرة فيكون من دلالة الحال ( قوله فالحالات ثلاث ) لما كان الغضب يقابله الرضا فهو مفهوم منه صح التفريع

وفي الفتح : واعلم أن حقيقة التقسيم في الأحوال قسمان : حالة الرضا وحالة الغضب . وأما حالة المذاكرة فتصدق مع كل منهما بل لا يتصور سؤالها الطلاق إلا في إحدى الحالتين لأنهما ضدان لا واسطة بينهما

قال في البحر بعد نقله : وبه علم أن الأحوال ثلاثة : حالة مطلقة عن قيدي الغضب والمذاكرة وحالة المذاكرة وحالة الغضب ا هـ .

وفي النهر وعندي أن الأولى هو الاقتصار على حالة الغضب والمذاكرة ، إذ الكلام في الأحوال التي تؤثر فيها الدلالة مطلقا ثم رأيته في البدائع بعد أن قسم الأحوال ثلاثة قال : ففي حالة الرضا يدين في القضاء وإن كان في حال مذاكرة الطلاق أو الغضب ، فقد قالوا إن الكنايات أقسام ثلاثة إلخ وهذا هو التحقيق . ا هـ . ( قوله والكنايات ثلاثة إلخ ) حاصله أنها كلها تصلح للجواب : أي إجابته لها في سؤالها الطلاق منه ، لكن منها قسم يحتمل الرد أيضا : أي عدم إجابة سؤالها ، كأنه قال لها لا تطلبي الطلاق فإني لا أفعله وقسم يحتمل السب والشتم لها دون الرد ، وقسم لا يحتمل الرد ولا السب بل يتمحض للجواب كما يعلم من القهستاني وابن الكمال ، ولذا عبر بلفظ يحتمل

وفي أبي السعود عن الحموي أن الاحتمال إنما يكون بين شيئين يصدق بهما اللفظ الواحد معا ، ومن ثم لا يقال يحتمل كذا أو كذا كما نبه عليه العصام في شرح التلخيص من بحث المسند إليه ( قوله فنحو اخرجي واذهبي وقومي ) أي من هذا المكان لينقطع الشر فيكون ردا أو لأنه طلقها فيكون جوابا رحمتي . ولو قال فبيعي الثوب لا يقع وإن نوى عند أبي يوسف لأن معناه عرفا لأجل البيع فكان صريحه خلاف المنوي ، ووافقه زفر نهر ولو قال : اذهبي فتزوجي بالفاء أو الواو فسيأتي الكلام عليه في الفروع ( قوله تقنعي تخمري استتري ) أمر بأخذ القناع أي الخمار . على الوجه ، ومثله تخمري وأمر بالاستتار . قال في البحر : أي لأنك بنت وحرمت علي بالطلاق أو لئلا ينظر إليك أجنبي . ا هـ . فهو على الأول جواب ، وعلى الثاني رد .

وفي البحر عن شرح قاضي خان : لو قال استتري مني خرج عن كونه كناية ا هـ وهل المراد عدم الوقوع به أصلا أو أنه يقع بلا نية : والظاهر الثاني ، وعليه فهل الواقع بائن أو رجعي والظاهر البائن لكون قوله مني قرينة لفظية على إرادة الطلاق بمنزلة المذاكرة تأمل ( قوله انتقلي ) مثل اخرجي وقد تقدم ح ( قوله من الغربة ) بالغين المعجمة والراء راجع للأول ، قوله أو من العزوبة بالمهملة والزاي راجع للثاني ، من عزب عني فلان يعزب : أي فمعناه أيضا تباعدي ح بزيادة ففيه ما في اخرجي أيضا من الاحتمالين ( قوله يحتمل ردا ) أي ويصلح جوابا أيضا ولا يصلح سبا ولا شتما ح ( قوله خلية ) بفتح الخاء المعجمة فعيلة بمعنى فاعلة : أي خالية إما عن النكاح أو عن الخير ح : أي فهو عن الأول جواب ، وعلى الثاني سب وشتم ، ومثله ما يأتي ( قوله برية ) بالهمزة وتركه ، أي منفصلة إما عن قيد النكاح أو حسن الخلق ح ( قوله حرام ) من حرم الشيء بالضم حراما امتنع ، أريد بها هنا الوصف ومعناه الممنوع فيحمل ما سبق ، وسيأتي وقوع البائن به بلا نية في زماننا للتعارف ، لا فرق في ذلك بين [ ص: 299 ] محرمة وحرمتك ، سواء قال علي أو لا أو حلال المسلمين علي حرام وكل حل علي حرام وأنت معي في الحرام ، وفي قوله حرمت نفسي لا بد أن يقول عليك ، وأورد أنه إذا وقع الطلاق بهذه الألفاظ بلا نية ينبغي أن يكون كالصريح في أعقابه الرجعية .

وأجيب بأن المتعارف إنما هو إيقاع البائن لا الرجعي حتى لو قال لم أنو لم يصدق ولو قال مرتين ونوى بالأولى واحدة وبالثانية ثلاثا صحت نيته عند الإمام وعليه الفتوى كما في البزازية ح عن النهر .

قلت : لكن عبارة البزازية قال لامرأتيه أنتما علي حرام ونوى الثلاث في إحداهما والواحدة في الأخرى صحت نيته عند الإمام وعليه الفتوى .

ثم اعلم أن ما ذكره من الإيراد والجواب مذكور في البزازية أيضا ، ومقتضى الجواب وقوع الرجعي به في زماننا لأنه لم يتعارف إيقاع البائن به فإن العامي الجاهل الذي يحلف بقوله علي الحرام لا أفعل كذا لا يميز بين البائن والرجعي فضلا على أن يكون عرفه إيقاع البائن به ، وإنما المعروف عنده أن من حنث بهذا اليمين يقع عليه الطلاق مثل قوله علي الطلاق لا أفعل كذا ، وقد مر أن الوقوع بقوله علي الطلاق إنما هو للعرف لأنه في حكم التعليق ، وكذا علي الحرام وإلا فالأصل عدم الوقوع أصلا كما في طلاقك علي كما تقدم تقريره ، فحيث كان الوقوع بهذين اللفظين للعرف ينبغي أن يقع بهما المتعارف بلا فرق بينهما ، وإن كان الحرام في الأصل كناية يقع بها البائن لأنه لما غلب استعماله في الطلاق لم يبق كناية ، ولذا لم يتوقف على النية أو دلالة الحال ، ولا شيء من الكناية يقع به الطلاق بلا نية أو دلالة الحال كما صرح به في البدائع ، ويدل على ذلك ما ذكره البزازي عقب قوله في الجواب المار إن المتعارف به إيقاع البائن لا الرجعي ، حيث قال ما نصه : بخلاف فارسية قوله سرحتك وهو " رهاء كردم " لأنه صار صريحا في العرف على ما صرح به نجم الزاهدي الخوارزمي في شرح القدوري ا هـ وقد صرح البزازي أولا بأن : حلال الله علي حرام أو الفارسية لا يحتاج إلى نية ، حيث قال : ولو قال حلال " أيزدبروي " أو حلال الله عليه حرام لا حاجة إلى النية ، وهو الصحيح المفتى به للعرف وأنه يقع به البائن لأنه المتعارف ثم فرق بينه وبين سرحتك فإن سرحتك كناية لكنه في عرف الفرس غلب استعماله في الصريح فإذا قال " رهاكردم " أي سرحتك يقع به الرجعي مع أن أصله كناية أيضا ، وما ذاك إلا لأنه غلب في عرف الفرس استعماله في الطلاق وقد مر أن الصريح ما لم يستعمل إلا في الطلاق من أي لغة كانت ، لكن لما غلب استعمال حلال الله في البائن عند العرب والفرس وقع به البائن ولولا ذلك لوقع به الرجعي .

والحاصل أن المتأخرين خالفوا المتقدمين في وقوع البائن بالحرام بلا نية حتى لا يصدق إذا قال لم أنو لأجل العرف الحادث في زمان المتأخرين ، فيتوقف الآن وقوع البائن به على وجود العرف كما في زمانهم . وأما إذا تعورف استعماله في مجرد الطلاق لا بقيد كونه بائنا يتعين وقوع الرجعي به كما في فارسية سرحتك ومثله ما قدمناه في أول باب الصريح من وقوع الرجعي بقوله " سن بوش " أو " بوش " أول في لغة الترك مع أن معناه العربي أنت خلية ، وهو كناية لكنه غلب في لغة الترك استعماله في الطلاق ، وهذا ما ظهر لفهمي القاصر ، ولم أر أحدا ذكره وهي مسألة مهمة كثيرة الوقوع فتأمل ، ثم ظهر لي بعد مدة ما عسى يصلح جوابا ، وهو أن لفظ حرام معناه عدم حل الوطء ودواعيه وذلك يكون بالإيلاء مع بقاء العقد وهو غير متعارف ، ويكون بالطلاق الرافع للعقد ، وهو قسمان : بائن ورجعي ، لكن الرجعي لا يحرم الوطء فتعين البائن ، وكونه التحق بالصريح للعرف [ ص: 300 ] لا ينافي وقوع البائن به ، فإن الصريح قد يقع به البائن كتطليقة شديدة ونحوه : كما أن بعض الكنايات قد يقع به الرجعي ، مثل اعتدي واستبرئي رحمك وأنت واحدة .

والحاصل أنه لما تعورف به الطلاق صار معناه تحريم الزوجة ، وتحريمها لا يكون إلا بالبائن ، هذا غاية ما ظهر لي في هذا المقام ، وعليه فلا حاجة إلى ما أجاب به في البزازية من أن المتعارف به إيقاع البائن ، لما علمت مما يرد عليه ، والله سبحانه وتعالى أعلم ( قوله بائن ) من بان الشيء : انفصل أي منفصلة من وصلة النكاح أو عن الخير ح ( قوله كبتة ) من البت بمعنى القطع ، فيحتمل ما احتمله البائن ، وأوجب سيبويه فيه الألف واللام ، وأجاز الفراء إسقاطهما ، أو بتلة من البتل وهو الانقطاع ، وبه سميت مريم لانقطاعها عن الرجال وفاطمة الزهراء لانقطاعها عن نساء زمانها فضلا ودينا وحسبا وقيل عن الدنيا إلى ربها ، وفيه من الاحتمال ما مر من النهر ( قوله يصلح سبا ) أي ويصلح جوابا أيضا ولا يصلح ردا ح ومثله في النهر وابن الكمال والبدائع ، خلافا لما يظهر من البحر من أنه يصلح للرد أيضا ( قوله اعتدي ) أمر بالاعتداد الذي هو من العدة أو من العد : أي اعتدي نعمي عليك بدائع ( قوله واستبرئي ) أمر بتعرف براءة الرحم وهي طهارتها من الماء وأنه كناية عن الاعتداد الذي هو من العدة . ويحتمل استبرئي لأطلقك بدائع ( قوله أنت واحدة ) أي طالق تطليقة واحدة ويحتمل أنت واحدة عندي أو في قومك مدحا أو ذما ، فإذا نوى الأول فكأنه قاله . مطلب لا اعتبار بالإعراب هنا

ولا اعتبار بإعراب الواحدة عند عامة المشايخ ، وهو الأصح لأن العوام لا يميزون بين وجوهه والخواص لا يلتزمونه في مخاطبتهم بل تلك صناعتهم والعرف لغتهم ، ولذا ترى أهل العلم في مجاري كلامهم لا يلتزمونه ، على أن الرفع لا ينافي الوقوع لاحتمال أن يريد أنت طلقة واحدة ، فجعلها نفس الطلقة مبالغة كرجل عدل ، لكن قد اعتبروا الإعراب في الإقرار فيما لو قال له علي درهم غير دانق رفعا ونصبا فيطلب الفرق ، وكأنه عملا بالاحتياط في البابين فتدبره ، وتمامه في النهر ( قوله أنت حرة ) أي لبراءتك من الرق أو من رق النكاح وأعتقتك مثل أنت حرة كما في الفتح ، وكذا كوني حرة أو اعتقي كما في البدائع نهر ( قوله اختاري أمرك بيدك ) كنايتان عن تفويض الطلاق : أي اختاري نفسك بالفراق أو في عمل أو أمرك بيدك في الطلاق أو في تصرف آخر .

وفي النهر عن الحواشي السعدية : وهذا لا يناسب ذكره في هذا المقام ، ولقد وقع بسبب ذلك خطأ عظيم من بعض المفتين فزعم أنه يقع به الطلاق وأفتى به وحرم حلالا نعوذ بالله من ذلك ا هـ وقد نبه عليه الشارح عند قوله خلا اختاري ح أي حيث ذكر أنه لا يقع بهما الطلاق ما لم تطلق المرأة نفسها أي مع نية الزوج تفويض الطلاق لها أو دلالة الحال من غضب أو مذاكرة كما يأتي في الباب الآتي ويعلم مما هنا ( قوله سرحتك ) من السراح بفتح السين : وهو الإرسال أي أرسلتك لأني طلقتك أو لحاجة لي ، وكذا فارقتك لأني طلقتك أو في هذا المنزل نهر ( قوله لا يحتمل السب والرد ) أي بل معناه الجواب فقط ح أي جواب طلب الطلاق أي التطليق فتح ( قوله تأثيرا ) تمييز محول عن الفاعل : أي يتوقف تأثير الأقسام الثلاثة على نية ط ( قوله للاحتمال ) لما ذكرنا من أن كل واحد [ ص: 301 ] من الألفاظ يحتمل الطلاق وغيره والحال لا تدل على أحدهما فيسأل عن نيته ويصدق في ذلك قضاء بدائع . قال ط : فإن قلت : إن ما يصلح جوابا ينبغي الوقوع به وإن لم تكن نية قلت : ليس المراد بكونه جوابا أنه جواب لتحصيل الطلاق بل هو جواب لكلامها بغير السؤال ، أما إذا تكلمت بسؤال الطلاق فقد حصلت المذاكرة ، وفيها لا يتوقف على النية إلا الأول كما يأتي . ا هـ .

قلت : لكنه مخالف لما ذكرناه آنفا عن الفتح من تفسيره المحتمل للجواب بأنه جواب طلب الطلاق أي التطليق فالأول الجواب عن الإيراد بأن يقال إن نحو اعتدي يتمحض للتطليق إجابة لسؤالها أي أنه إن كان هناك سؤال الطلاق تمحض للتطليق ولا يلزم وجود سؤال الطلاق في جميع الحالات لأنه قد تكون الحالة حالة رضا فقط أو حالة غضب فقط بدون سؤال الطلاق ومع ذلك لا يخرج نحو اعتدي عن كونه متمحضا للجواب ، بمعنى أنه لو كان سؤالا لتمحض جوابا له ولذا يقع بلا توقف على نية في حالة الغضب المجردة عن السؤال تأمل ( قوله بيمينه ) فاليمين لازمة له سواء ادعت الطلاق أم لا حقا لله تعالى ط عن البحر ( قوله فإن نكل ) أي عند القاضي لأن النكول عند غيره لا يعتبر ط ( قوله توقف الأولان ) أي ما يصلح ردا وجوابا وما يصلح سبا وجوابا ولا يتوقف ما يتعين للجواب . بيان ذلك أن حالة الغضب تصلح للرد والتبعيد والسب والشتم كما تصلح للطلاق ، وألفاظ الأولين يحتملان ذلك أيضا فصار الحال في نفسه محتملا للطلاق وغيره ، فإذا عنى به غيره فقد نوى ما يحتمله كلامه ولا يكذبه الظاهر فيصدق في القضاء ، بخلاف ألفاظ الأخير : أي ما يتعين للجواب لأنها وإن احتملت الطلاق وغيره أيضا لكنها لما زال عنها احتمال الرد والتبعيد والسب والشتم اللذين احتملتهما حال الغضب تعينت الحال على إرادة الطلاق فترجح جانب الطلاق في كلامه ظاهرا ، فلا يصدق في الصرف عن الظاهر ، فلذا وقع بها قضاء بلا توقف على النية كما في صريح الطلاق إذا نوى به الطلاق عن وثاق ( قوله يتوقف الأول فقط ) أي ما يصلح للرد والجواب لأن حالة المذاكرة تصلح للرد والتبعيد كما تصلح للطلاق دون الشتم وألفاظ الأول كذلك ، فإذا نوى بها الرد لا الطلاق فقد نوى محتمل كلامه بلا مخالفة للظاهر فتوقف الوقوع على النية ، بخلاف ألفاظ الأخيرين فإنها وإن احتملت الطلاق لكنها لا تحتمل ما تحتمله المذاكرة من الرد والتبعيد ، فترجح جانب الطلاق ظاهرا فلا يصدق في الصرف عنه فلذا وقع بها قضاء بلا نية .

والحاصل أن الأول يتوقف على النية في حالة الرضا والغضب والمذاكرة ، والثاني في حالة الرضا والغضب فقط ويقع في حالة المذاكرة بلا نية ، والثالث يتوقف عليها في حالة الرضا فقط ، ويقع حالة الغضب والمذاكرة بلا نية وقد نظمت ذلك بقولي : نحو اخرجي قومي اذهبي ردا يصح خلية برية سبا صلح     واستبرئي اعتدي جوابا قد حتم
فالأول القصد له دوما لزم     والثاني في الغضب والرضا انضبط
لا الذكر والثالث في الرضا فقط ورسمتها في شباك لزيادة الإيضاح بهذه الصورة : [ ص: 302 ] رد وجواب ، سب وجواب ، جواب فقط ، ، ، ، ، ، اخرجي اذهبي ، خلية برية ، اعتدي استبرئي ، ، ، ، ، ، ، رضا ، تلزم النية ، تلزم النية ، تلزم النية ، ، ، ، ، ، ، غضب ، تلزم النية ، تلزم النية ، يقع بلا نية ، ، ، ، ، ، ، مذاكرة ، تلزم النية ، تلزم النية ، يقع بلا نية ، ، ، ، ، ،

( قوله لأن مع الدلالة ) اسم أن ضمير الشأن محذوف ( قوله لأنها ) أي الدلالة ( قوله بينتها ) أي المرأة ( قوله على الدلالة ) أي الغضب أو المذاكرة ( قوله لا على النية ) أي لو برهنت فيما يتوقف على نية الطلاق أنه نوى لا تقبل ( قوله فلو السؤال بهل يقع ) يعني إذا قال السائل : قلت كذا هل يقع علي الطلاق : يقول المفتي نعم إن نويت ح ( قوله ولو بكم يقع ) يعني لو قال السائل : قلت كذا كم يقع علي يقول له المفتي يقع واحدة ولا يتعرض لاشتراط النية ; يعني لا يقول له المفتي تقع واحدة إن نويت ح



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث