الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الثانية قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود

[ ص: 322 ] الآية الثانية قوله تعالى : { قتل أصحاب الأخدود } : فيها ثلاث مسائل :

المسألة الأولى ثبت عن صهيب واللفظ لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { كان ملك فيمن كان قبلكم ، وكان له ساحر ، فلما كبر قال للملك : قد كبرت ، فابعث لي غلاما أعلمه السحر ; فبعث إليه غلاما يعلمه ، فكان في طريقه إذا سلك راهب قعد إليه ، وسمع كلامه ، وأعجبه ، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب ، فقعد إليه ، وإذا أتى الساحر ضربه ، فشكا ذلك إلى الراهب ، فقال : إذا خشيت الساحر فقل : حبسني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر ، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس ، فقال : اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل ، فأخذ حجرا وقال : اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة ، حتى يمضي الناس ، فرماها فقتلها ، ومضى الناس ; فأتى إلى الراهب فأخبره ، فقال له الراهب : أي بني ، أنت اليوم أفضل مني ، قد بلغ من أمرك ما أرى ، وإنك ستبتلى ، فإن ابتليت فلا تدل علي ; فكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ، ويداوي الناس من سائر الأدواء ، فسمع به جليس الملك وكان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة ، فقال : لك ما هنالك أجمع إن شفيتني قال : إني لا أشفي أحدا ، إنما يشفي الله ، فإن أنت آمنت بالله دعوت لك فشفاك . فآمن بالله ; فشفاه الله . فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس ، فقال له الملك : من رد عليك بصرك ؟ قال : ربي . قال : ولك رب غيري ، قال : ربي وربك الله . فأخذه فلم يزل به حتى دل على الغلام . فجيء بالغلام ، فقال له الملك : أي بني ، قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص ، وتفعل وتفعل ، فقال : إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله . فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب ، فجيء بالراهب ، فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فدعا بالمنشار ، فوضع المنشار على مفرق رأسه ، فشقه ، حتى وقع شقاه [ ص: 323 ] ثم جيء بجليس الملك ، فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقه حتى وقع شقاه ; ثم جيء بالغلام فقال له : ارجع عن دينك فأبى ، فدفعه إلى نفر ، من أصحابه ، فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا كذا ، فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتم ذروته ، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه ، فصعدوا به الجبل ، فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت ، فرجف بهم الجبل ، فسقطوا ، وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله . فدفعه إلى نفر من أصحابه ، فقال : اذهبوا به فاحملوه في قرقور ، فتوسطوا به البحر ، فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه . فذهبوا به . فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت ، فانكفأت بهم السفينة ، فغرقوا ، وجاء يمشي إلى الملك ; فقال له : ما فعل أصحابك ؟ فقال : كفانيهم الله . فقال للملك : إنك لست بقاتلي ، حتى تفعل ما آمرك به . قال : وما هو ؟ قال : تجمع الناس في صعيد واحد ، وتصلبني على جذع ، ثم خذ سهما من كنانتي ، ثم ضع السهم في كبد القوس ، ثم قل : بسم الله ، رب الغلام ، ثم ارمني ; فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني . فجمع الناس في صعيد واحد ، وصلبه على جذع ، ثم أخذ سهما من كنانته ، ثم وضع السهم في كبد القوس ، ثم قال : بسم الله رب الغلام ، ثم رماه فوقع السهم في صدغه ، فوضع يده على صدغه في موضع السهم فمات . فقال الناس : آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام ، آمنا برب الغلام ، فأتى الملك ، فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس برب الغلام ; فأمر بالأخدود في أفواه السكك ; فخدت ، وأضرم النار ، وقال : من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها ، أو قيل له : اقتحم ففعلوا ، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها ، فتقاعست أن تقع فيها ، فقال الغلام : يا أمه ، اصبري ، فإنك على الحق ، فاقتحمت } . [ ص: 324 ] المسألة الثانية أصحاب الأخدود هم الذين حفروه من الكفار ، وهم الذين رموا فيه المؤمنين ، فكان لفظ الصحبة محتملا ، إلا أنه بينه وخصصه آخر القول في الآية الثالثة لها والرابعة منها ، وهما قوله : { إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود } . المسألة الثالثة هذا الحديث سترون إن شاء الله تفسيره في مختصر النيرين ، والذي يختص به من الأحكام ههنا أن المرأة والغلام صبرا على العذاب من القتل ، والصلب ، وإلقاء النفس في النار ، دون الإيمان . وهذا منسوخ عندنا حسبما تقرر في سورة النحل .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث