الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد

( قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون )

قوله تعالى : ( قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون )

[ ص: 48 ] اعلم أنه تعالى لما بين أمر الأمر بالفحشاء بين تعالى أنه يأمر بالقسط والعدل ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : قوله : ( أمر ربي بالقسط ) يدل على أن الشيء يكون في نفسه قسطا لوجوه عائدة إليه في ذاته ، ثم إنه تعالى يأمر به لكونه كذلك في نفسه ، وذلك يدل أيضا على أن الحسن إنما يحسن لوجوه عائدة إليه ، وجوابه ما سبق ذكره .

المسألة الثانية : قال عطاء ، والسدي ( بالقسط ) بالعدل وبما ظهر في المعقول كونه حسنا صوابا . وقال ابن عباس : هو قول لا إله إلا الله ، والدليل عليه قوله : ( شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط ) ( آل عمران : 18 ) وذلك القسط ليس إلا شهادة أن لا إله إلا الله . فثبت أن القسط ليس إلا قول لا إله إلا الله .

إذا عرفت هذا فنقول : إنه تعالى أمر في هذه الآية بثلاثة أشياء :

أولها : أنه أمر بالقسط ، وهو قول : لا إله إلا الله . وهو يشتمل على معرفة الله تعالى بذاته وأفعاله وأحكامه ، ثم على معرفة أنه واحد لا شريك له .

وثانيها : أنه أمر بالصلاة وهو قوله : ( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ) وفيه مباحث :

البحث الأول : أنه لقائل أن يقول : ( أمر ربي بالقسط ) خبر ، وقوله : ( وأقيموا وجوهكم ) أمر ، وعطف الأمر على الخبر لا يجوز . وجوابه : التقدير : قل أمر ربي بالقسط ، وقل : أقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين .

البحث الثاني : في الآية قولان :

أحدهما : المراد بقوله : ( أقيموا ) هو استقبال القبلة .

والثاني : إن المراد هو الإخلاص ، والسبب في ذكر هذين القولين ، أن إقامة الوجه في العبادة قد تكون باستقبال القبلة ، وقد تكون بالإخلاص في تلك العبادة ، والأقرب هو الأول ؛ لأن الإخلاص مذكور من بعد ، ولو حملناه على معنى الإخلاص ، صار كأنه قال : وأخلصوا عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين ، وذلك لا يستقيم .

فإن قيل : يستقيم ذلك ، إذا علقت الإخلاص بالدعاء فقط .

قلنا : لما أمكن رجوعه إليهما جميعا ، لم يجز قصره على أحدهما ، خصوصا مع قوله : ( مخلصين له الدين ) فإنه يعم كل ما يسمى دينا .

إذا ثبت هذا فنقول : قوله : ( عند كل مسجد ) اختلفوا في أن المراد منه زمان الصلاة أو مكانه والأقرب هو الأول ؛ لأنه الموضع الذي يمكن فيه إقامة الوجه للقبلة ، فكأنه تعالى بين لنا أن لا نعتبر الأماكن ، بل نعتبر القبلة ، فكان المعنى : وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة . وقال ابن عباس : المراد إذا حضرت الصلاة وأنتم عند مسجد فصلوا فيه ، ولا يقولن أحدكم ، لا أصلي إلا في مسجد قومي .

ولقائل أن يقول : حمل لفظ الآية على هذا بعيد ، لأن لفظ الآية يدل على وجوب إقامة الوجه في كل مسجد ، ولا يدل على أنه لا يجوز له العدول من مسجد إلى مسجد .

وأما قوله : ( وادعوه مخلصين له الدين ) فاعلم أنه تعالى لما أمر في الآية الأولى بالتوجه إلى القبلة ، أمر بعده بالدعاء ، والأظهر عندي أن المراد به أعمال الصلاة ، وسماها دعاء ؛ لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء ، ولأن أشرف أجزاء الصلاة هو الدعاء والذكر ، وبين أنه يجب أن يؤتى بذلك الدعاء مع [ ص: 49 ] الإخلاص ، ونظيره قوله تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ( البينة : 5 ) ثم قال تعالى : ( كما بدأكم تعودون ) وفيه قولان :

القول الأول : قال ابن عباس : ( كما بدأكم ) خلقكم مؤمنا أو كافرا ( تعودون ) فبعث المؤمن مؤمنا ، والكافر كافرا ، فإن من خلقه الله في أول الأمر للشقاوة ، أعمله بعمل أهل الشقاوة ، وكانت عاقبته الشقاوة ، وإن خلقه للسعادة أعمله بعمل أهل السعادة ، وكانت عاقبته السعادة .

والقول الثاني : قال الحسن ومجاهد : ( كما بدأكم ) خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا ، كذلك تعودون أحياء ، فالقائلون بالقول الأول : احتجوا على صحته بأنه تعالى ذكر عقيبه قوله : ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة ) وهذا يجري مجرى التفسير لقوله : ( كما بدأكم تعودون ) وذلك يوجب ما قلناه . قال القاضي : هذا القول باطل ؛ لأن أحدا لا يقول إنه تعالى بدأنا مؤمنين أو كافرين ؛ لأنه لا بد في الإيمان والكفر أن يكون طارئا ، وهذا السؤال ضعيف ؛ لأن جوابه أن يقال : كما بدأكم بالإيمان ، والكفر ، والسعادة ، والشقاوة ، فكذلك يكون الحال عليه يوم القيامة .

واعلم أنه تعالى أمر في الآية أولا بكلمة "القسط" وهي كلمة لا إله إلا الله ، ثم أمر بالصلاة ثانيا ، ثم بين أن الفائدة في الإتيان بهذه الأعمال ، إنما تظهر في الدار الآخرة ، ونظيره قوله تعالى في "طه" لموسى عليه السلام : ( إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري إن الساعة آتية أكاد أخفيها ) ( طه : 14 - 15 ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث