الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 3 ] بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب الرهن

قال الشافعي رضي الله عنه : " أذن الله جل ثناؤه بالرهن في الدين والدين حق فكذلك كل حق لزم في حين الرهن وما تقدم الرهن " .

قال الماوردي : وهذا كما قال الرهن أحد الوثائق في الحقوق .

والأصل فيه قوله تعالى : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة [ البقرة : 283 ] وقرئ " فرهن مقبوضة " وفي اختلاف القراءتين تأويلان :

أحدهما : أن قولهم : فرهان جمع ، ورهن جمع الجمع .

والثاني : أن قوله : فرهان مستعمل في السبق والنضال ، وقوله : فرهن مستعمل في المعاملات وأما الرهينة ، فليست من هذين ، وإنما هي مستعملة في ارتهان النفوس . قال الفرزدق :


ومنا الذي أعطى يديه رهينة لغاري معد يوم ضرب الجماجم

ثم من السنة ما رواه الشافعي عن محمد بن إسماعيل عن أبي ذئب عن ابن شهاب عن ابن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يغلق الرهن ، الرهن من راهنه ، الذي رهنه له غنمه غيره وعليه غرمه .

وفي قوله : لا يغلق الرهن تأويلان :

أحدهما : أنه لا يبطل الدين بتلفه .

والثاني : وهو أشبه : أنه لا يملك بالدين عند محله .

قال زهير :

[ ص: 4 ]

وفارقتك بدين لا فكاك له     يوم الوداع فأمسى الدين قد غلقا

وروى الشافعي عن يحيى بن سعيد عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويقرب النفقة .

وروى الشافعي عن عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه قال : رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه عند أبي الشحم اليهودي واختلف الناس هل مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل فكاكه ؟ فقال قوم : افتكه قبل موته لأنه صلى الله عليه وسلم يقول : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى وهذه صفة تنتفي عنه صلى الله عليه وسلم .

وقال آخرون وهو الصحيح : أنه مات قبل فكاكه لرواية عكرمة عن ابن عباس قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود بثلاثين صاعا من شعير ، فعلى هذا يكون قوله : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى محمولا على من مات ولم يترك وفاء .

فصل : وإذا ثبت جواز الرهن بما ذكرنا من الكتاب والسنة فهو إذا تم من العقود اللازمة من أحد المتعاقدين دون الآخر فيكون لازما من جهة الراهن دون المرتهن فإن رام الراهن فسخه قبل فكاكه لم يكن له ، ولو طلب المرتهن ذلك كان له ، لأنه وثيقة للمرتهن على الراهن وأصل الرهن في اللغة : هو الاحتباس قال الله تعالى : بما كسبت رهينة [ المدثر : 38 ] أي محتبسة .

وقال الأعشى :


فهل يمنعني ارتيادي البلا     د من حذر الموت أن يأتين
علي رقيب له حافظ     فقل في امرئ غلق مرتهن

فإذا تمهد ما ذكرنا فالرهن عندنا يجوز في السفر والحضر ، وعند وجود الكاتب وعدمه ، وبه قال فقهاء الأمصار ، وقال مجاهد وداود : لا يجوز في الحضر ولا مع وجود [ ص: 5 ] الكاتب لقوله تعالى : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة [ البقرة : 283 ] فأباحه بوجود شرطين : السفر وعدم الكاتب .

ودليلنا : رواية الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن يزيد بن عبد الله عن أبي رافع عن أبيه قال : نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم ضيف فقال لي : يا أبا رافع اذهب إلى فلان اليهودي فقل له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعني إلى رجب فأتيته ، فقال : والله لا أبيعه إلا برهن فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال : اذهب بدرعي الجديد إليه فرهنه بطعام إلى أجل مسمى .

فدل ذلك على جواز الرهن في الحضر ، لأن هذا كان بالمدينة ، ولأنها وثيقة تجوز سفرا فجازت حضرا كالضمين : ولأن كل حال جاز فيها الضمين جاز فيها الرهن كالسفر فأما الآية فإنما ذكر فيها السفر لتعذر الشهادة فيه غالبا لا أنه شرط فيه .

فصل : فإذا ثبت جواز الرهن في السفر والحضر ، فالحقوق ضربان : ضرب يجب في مال ، وضرب يجب في غير مال .

فأما الحقوق التي لا تجب في الأموال : فكالقصاص ، وحد القذف ، وفي معناه المطالبة بالشفعة والرد بالعيب ، فهذا وما شاكله لا يجوز أخذ الرهن فيه وإن جازت الشهادة فيه ، وإنما لم يجز أخذ الرهن فيه : لأن الرهن وثيقة في مال يستوفى الحق منه عند تعذره ، وما ليس بمال قد لا يمكن استيفاء الحق منه ، فلم يجز أخذ الرهن فيه .

وأما الحقوق الواجبة في الأموال فضربان :

أحدهما : أن تكون أعيانا قائمة .

والثاني : أن تكون في الذمة .

فأما الأعيان القائمة فلا يجوز أخذ الرهن بها سواء كانت مضمونة كالمغصوب أو غير مضمونة كالودائع وقال مالك : كل عين مضمونة بالتلف يجوز أخذ الرهن عليها قبل التلف قال : لأنه مال مضمون فجاز أخذ الرهن فيه قياسا على ما في الذمم ، ولأن كل ما جاز أن يكون وثيقة لما في الذمة جاز أن يكون وثيقة للعين المضمونة كالشهادة .

ودليلنا هو : أنها عين باقية فلم يجز أخذ الرهن بها كالعين إذا لم تكن مضمونة .

وهذا لأن كل عين لم يجز أخذ الرهن فيها إذا كانت أمانة لم يجز أخذ الرهن فيها إذا كانت مضمونة .

أصله : ما في يد البائع من العين المبيعة .

ولأن الرهن وثيقة لاستيفاء الحق منه ، والعين المضمونة مع بقائها لا يجوز أخذ بدلها ، [ ص: 6 ] ولا العدول إلى قيمتها دون أن ترد العين ، والعين لا يمكن استيفاؤها من الرهن ، وكل رهن لم يملك استيفاء الحق منه كان رهنا باطلا كالوقف .

فأما قياسه على ما في الذمة فالمعنى فيه أنه يمكن استيفاؤه من الرهن ، فجاز فيه الرهن وليس كذلك العين ، وأما قياسه على الشهادة فالمعنى في الشهادة أنها لما جازت على عين غير مضمونة جازت على عين مضمونة ولما لم يجز الرهن في عين غير مضمونة لم يجز في عين مضمونة وكذلك الرهن في كفالات النفوس لا يجوز .

فصل : [ أقسام الأموال باعتبار ما لزم للذمة وما لا يلزم وما يئول إلى اللزوم ] .

وأما الأموال التي في الذمة فعلى ثلاثة أضرب :

أحدها : ما كان لازما للذمة ثابتا فيها كالأثمان والديون والمهور وأروش الجنايات والسلم فهذا كله وما شاكله ، يجوز أخذ الرهن فيه سواء كان حالا أو مؤجلا .

والضرب الثاني : ما لم يكن لازما من الذمة في الحال ولا تفضي إلى اللزوم في ثاني حال مثل مال الكتابة فلا يجوز أن يؤخذ فيه الرهن بحال : لأن المقصود بالرهن استيفاء الحق منه عند تعذر استيفائه من الذمة ، ومال الكتابة غير مستحق ، وإن لم يتعذر استيفاؤه من الذمة .

والضرب الثالث : ما لم يكن لازما للذمة في الحال لكنه يفضي إلى اللزوم في ثاني حال كمال الجعالة فإن كان بعد لزومه بحصول العمل جاز أخذ الرهن فيه ، لأنه قد صار ثابتا في الذمة كالديون وإن كان قبل لزومه لعدم حصول العمل ففي جواز أخذ الرهن فيه وجهان :

أحدهما : يجوز أخذ الرهن فيه ، لأنه قد يفضي إلى اللزوم ، فجاز أخذ الرهن فيه وإن لم يكن لازما في الحال ، كالثمن في مدة الخيار ليس بلازم ، وأخذ الرهن فيه جائز لأنه قد يفضي إلى اللزوم .

والوجه الثاني : وهو منصوص الشافعي : أن أخذ الرهن فيه لا يجوز لأنه وإن كان يفضي إلى اللزوم بحصول العمل فما في مقابلة هذا الجعل من العمل لا يفضي إلى اللزوم ، لأن المبذول له الجعل بالخيار أبدا إن شاء عمل وإن شاء لم يعمل ، وليس كذلك الثمن في مدة الخيار ، لأن العوض والمعوض قد يفضيان إلى اللزوم بما افترقا .

فصل : وأما أخذ الرهن في عوض السبق والنضال ، فإن كان بعد لزومه بوجود السبق ، وحصول النضال جاز أخذ الرهن فيه كالدين .

وإن كان قبل وجود السبق والنضال ، فهو مبني [ ص: 7 ] على اختلاف قولي الشافعي في عقد السبق والنضال هل يجري مجرى الإجارة ، أو مجرى الجعالة ؟ فإن قيل : إنه يجري مجرى الإجارة جاز أخذ الرهن فيه .

وإن قيل : إنه يجري مجرى الجعالة فعلى الوجهين الماضيين .

قال الشافعي رضي الله عنه : " وقال الله تبارك وتعالى فرهان مقبوضة .

قال الماوردي : وبه قال أبو حنيفة عندنا عقد الرهن لا يتم إلا بالقبض ، وكذلك الهبة .

وقال مالك : الرهن يتم بالعقد ويجبر على القبض ، وكذلك الهبة استدلالا بقوله تعالى : أوفوا بالعقود [ المائدة : 1 ] ولأنه عقد وثيقة ، فوجب أن يلزم بمجرد القول كالضمان .

ولأن الثمن يختلف باختلافه إذا شرط في عقد البيع ، فوجب أن يلزم بنفس الشرط في البيع كالأجل ، ولأنه عقد لازم بعد القبض فوجب أن يكون لازما قبل القبض كالبيع ، ولأنه عقد يصح مؤجلا ، فوجب أن يكون بمجرد القول لازما كالإجارة .

ودليلنا قوله تعالى : فرهان مقبوضة [ البقرة : 283 ] والدلالة فيها من ثلاثة أوجه :

أحدها : أنه وصف الرهن بالقبض فوجب أن يكون شرطا في صحته كوصف الرقبة بالإيمان والاعتكاف بالمسجد ، والشهادة بالعدالة ، ثم كانت هذه الأوصاف شروطا ، فكذا القبض .

والثاني : أنه ذكر غير الرهن من العقود ولم يصفها بالقبض ، وذكر الرهن ووصفه بالقبض فلا يخلو أن يكون وصف الرهن بالقبض إما لاختصاصه به ، أو ليكون تنبيها على غيره ، وأيهما كان فهو دليل على لزومه فيه .

والثالث : أن ذكر القبض يوجب فائدة شرعية لا تستفاد بحذف ذكره ولا فائدة في ذكره إن لم يجعل القبض شرطا في صحته ، ولأنه لو مات الراهن قبل الإقباض لم يجبر وارثه على الإقباض ، فلو كان لازما بالقول كالبيع لاستحق على وارثه الإقباض كالبيع ، فلما لم يستحق على وارثه الإقباض لم يستحق عليه في حياته الإقباض كالجعالة .

وهذا الاستدلال قد يتحرر من اعتلاله قياسان :

أحدهما : أنه رهن غير مقبوض فوجب أن لا يلزم تسليمه كالوارث .

والثاني : أنه عقد لا يلزم وارث العاقد بمجرد القول فوجب أن لا يلزم العاقد بمجرد القول أصله عقد الجعالة ، ولأنه عقد إرفاق من شرطه القبول ، فوجب أن يكون من شرط لزومه القبض كالقرض .

[ ص: 8 ] وقولنا : شرطه القبول احترازا من الوقف .

وأما استدلاله بعموم الآية فمخصوص بما ذكرنا وأما قياسه على الضمان فالمعنى في الضمان أنه لما تم بالضامن وحده من غير قبول تم بالقول وحده ولما لم يتم الرهن بالراهن وحده حتى يقترن به القول جاز أن لا يلزم بالقول وحده ، وأما قياسه على الأجل فالمعنى في الأجل أنه صفة من صفات العقد بدليل أنه لا ينفرد بنفسه ولا يحكم له إن شرط بعد تمام العقد وانبرامه ولزم الوفاء به كسائر صفات العقد وليس كذلك الرهن : لأنه ليس بصفة من صفات البيع بدليل أنه ينفرد عن العقد فيثبت حكمه بنفسه بعد تمام ثبوته لو شرط في العقد وأما قياسه على البيع فالمعنى في البيع : أنه لما لزم الورثة لزم المتعاقدين والرهن لما لم يلزم الورثة لم يلزم المتعاقدين وأما قياسه على الإجارة فالمعنى فيه كالمعنى في البيع .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث