الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خلاصة سورة البقرة وما فيها من دعوة الإسلام وأحكامه وقواعده

جزء التالي صفحة
السابق

( خلاصة سورة البقرة وما فيها من دعوة الإسلام وأحكامه وقواعده )

دعوة الإسلام العامة :

بدأ الله - عز وجل - سورة البقرة بدعوة القرآن ، وكونه حقا لا مجال فيه لشك ولا ارتياب ، وجعل الناس تجاه هدايته ثلاثة أقسام :

1 - المؤمنون وهم قسمان : الذين يؤمنون بالغيب بمجرد الفطرة ويقيمون ركني الدين : البدني الروحي ، والمالي الاجتماعي ، والذين يؤمنون به بتأثير إيمانهم بما أنزل من قبله من كتب الرسل ، إذ يرونه أكمل منها هداية وأصح رواية ، وأقوى دلالة . ثم فصل هذه الأصول للإيمان في آية ( ليس البر ) ( 177 ) إلخ . وآية ( لله ما في السماوات وما في الأرض ) ( 284 ) إلخ . وكذلك الآية 285 .

2 - الكافرون الراسخون في الكفر وطاعة الهوى ، والذين فقدوا الاستعداد للإيمان والهدى .

[ ص: 89 ] 3 - المنافقون الذين يظهرون غير ما يخفون ، ويقولون ما لا يفعلون ( فهذه آياتها الأولى إلى الآية 20 ) وقفى على هذا بدعوة الناس جميعا إلى عبادة ربهم وحده ، وعدم اتخاذ الأنداد له ، الذين يحبون من جنس حبه ، ويذكرون معه في مقامات ذكره ، ويشركون معه في مخ العبادة - الدعاء - أو يدعون من دونه ( انظر الآيتين 21 و 22 وآيات الإسلام في قصة إبراهيم وإسماعيل ، ووصية إبراهيم ويعقوب لأبنائهم من 124 - 141 كما يأتي ، والآيات التي سنشير إليها في خطاب أمة الإجابة من 163 - 172 ) .

ثم ثنى دعوة التوحيد بدعوة الوحي والرسالة ، واحتج على حقية هذه الدعوة بهذا الكتاب المنزل على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - ، بتحدي الناس كافة بالإتيان بسورة من مثله ، مع التصريح القطعي بعجزهم أجمعين ، ورتب على هذا إنذار الكافرين بالنار ، وتبشير المؤمنين بجنات تجري من تحتها الأنهار ، وقفى على هذا ببيان بعض الأدلة العقلية على الإيمان ، وبخلاصة النشأة الآدمية ، وعداوة الشيطان للإنسان . وتم ذلك بالآية ( 39 ) .

ثم خص بني إسرائيل بالدعوة ، تاليا عليهم ما لم يكن يعلمه محمد لولا وحيه تعالى له ، فذكرهم بنعمه ، وأمرهم أن يؤمنوا بما أنزله على خاتم رسله ، ونهاهم أن يكون المعاصرون له منهم أول كافر به ، وحاجهم في الدين بتذكيرهم بأيام الله ، وبأهم الوقائع التي كانت لسلفهم مع كليمه ، من كفر وإيمان ، وطاعة وعصيان ، ثم بالتذكير لهم وللعرب بهدي جدهم إبراهيم الخليل وبنائه لبيت الله الحرام مع ولده إسماعيل ودعائهما إياه تعالى أن يبعث في الأميين رسولا منهم ، وبأن علماءهم يعرفون أن محمدا هو الرسول الذي دعا به إبراهيم وبشر به موسى كما يعرفون أبناءهم وبأن فريقا منهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، أي والفريق الآخر يؤمنون به ، ويعترفون بوعد الله لإبراهيم ثم لموسى بقيام نبي من أبناء إخوتهم مثله .

بدئ هذا السياق بالآية 40 من السورة ( يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) إلخ . وانتهى بالآية 142 منها ، وتخلله بعض الآيات الموجهة للمؤمنين للاعتبار بما فيه من شئون أهل الكتاب السابقين والحاضرين من اليهود بالتفصيل ومن النصارى بالإجمال ، إذ لم يكن أحد منهم مجاورا ولا مخالطا للمسلمين في تلك الحال ، فإن نزول البقرة كان في أول عهد الهجرة . وما تقدم يناهز نصف السورة ، وهو شطرها الخاص بأمة الدعوة ، والشطر الثاني قد وجه لأمة الإجابة .

خطاب أمة الإجابة بموضوع الدعوة العام :

كان الانتقال من خطاب أهل الكتاب من أمة الدعوة إلى خطاب أهل القرآن من أمة الإجابة بذكر ما هو مشترك بين قوم موسى وقوم محمد من نسب إبراهيم والاتفاق على فضله وهدايته ، وكان العرب في الجاهلية يعترفون بذلك إجمالا كالمسلمين ، ثم يذكر أول مسألة عملية [ ص: 90 ] اختلف فيها القومان وهي مسألة القبلة ، فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بمكة إلى الكعبة المشرفة من جهة الشمال حيث تكون بينه وبين بيت المقدس في بلاد الشام ، وهو قبلة بني إسرائيل ، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بين استقبال الكعبة التي هي في جنوبها ، وبيت المقدس الذي هو في شمالها ، فأعطى الله خاتم رسله سؤله بأمره بالتوجه إلى الكعبة وحدها ، ومسألة القبلة من شعائر الله وخصائصها الدينية الاجتماعية ، حتى إن النصارى - وهم في الأصل مع رسولهم ( عيسى المسيح - عليه السلام - ) من أتباع شريعة التوراة - قد ميزوا أنفسهم دون اليهود بابتداع قبلة خاصة بهم غير قبلة عيسى رسولهم الذي اتخذوه إلها لهم ، وهي صخرة بيت المقدس .

بعد تأكيد أمر القبلة ، وأنه من إتمام النعمة على هذه الأمة ، بين وظائف الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي كما في دعاء إبراهيم تبليغ القرآن وتربية الأمة ، وتعليمها الكتاب والحكمة ، وما لم تكن تعلم من القضاء والسياسة وأمور الدولة ، فقال تعالى : ( كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون ) ( 151 ) ثم أمرهم بذكره وشكره تعالى ، وبالاستعانة بالصبر والصلاة على النهوض بمهمات الأمور ، وذكر التطواف والسعي بين الصفا والمروة لمناسبة اقتضاها المقام ، ولعن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى بعد تبيينه للناس في الكتاب ، واستثنى من تاب وأصلح وبين وأناب ، وسجل اللعنة على من مات على كفره ، وكونهم خالدين في النار لا يخفف عنهم العذاب .

ثم ذكر الأساس الأعظم للدين ، توحيد الإلهية ، بتخصيص الخالق سبحانه بالعبودية ، وهو قوله تعالى : ( وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) ( 163 ) وقرن ذلك بالتذكير بآياته الكثيرة الدالة عليه في السماوات والأرض وما بينهما ثم ذكر ما يقابل هذا التوحيد مقابلة التضاد ، وهو الشرك باتخاذ الأنداد ، والاعتماد فيه على تقليد الآباء والأجداد ، وشنع على المقلدين والذين يدعون غير الله تعالى من المشركين ، فجردهم من حلية العقل . وشبههم بالصم والبكم العمي . وانتهى هذا بالآية ( 171 ) .

ثم أوجب على المؤمنين الأكل من أجناس جميع الطيبات ، وأمرهم بالشكر له عليها ، وحصر محرمات الطعام عليهم في الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ، واستثنى من اضطر إليها ، وإنما ذكر هذا في سياق كليات الدين المجملة لإبطال ما كان عليه المشركون وأهل الكتاب من التحليل والتحريم فيها الذي هو حق الله تعالى بتحكيم الأهواء ، وقفى على هذا كله بوعيد الذين يكتمون ما أنزل الله ، إيذانا بوجوب الدعوة وبيان الحق على كل من آمن بالله ، وتحذيرا مما وقع بين أهل الكتاب من الاختلاف والشقاق والتحريف والنسيان لحظ عظيم مما أنزله الله .

[ ص: 91 ] وختم هذا السياق العام ببيان أصول البر ومجامعه في الآية المعجزة الجامعة لكليات العقائد والآداب والأعمال ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ) ( 177 ) إلخ .

وقفى عليه بسياق طويل في الأحكام الشرعية الفرعية بدئ بأحكام القصاص في القتلى من ( الآية 178 ) وانتهى بأحكام القتال وما تقتضيه من أمور الاجتماع وقواعده في آخر الجزء الثاني من تجزئة القرآن الثلاثينية وسنذكر أنواعها .

ثم عاد الكلام على بدئه في العقائد العامة من الرسالة والتوحيد وحججه والبعث ، وفي الأحكام والآداب العامة التي هي سياج الدين ونظام الدنيا ، ورأسها الإنفاق في سبيل الله ، وهي طريق الحق والخير وسعادة الدارين ، والإخلاص فيه وفي سائر الأعمال ، ثم عاد إلى الأحكام الفرعية العملية إلى ما قبل ختم السورة كلها بالدعاء المعروف ، وهاك بيان ما في السورة من أنواع أحكام الفروع العملية :

خطاب أمة الإجابة بالفروع العملية :

كانت الأحكام الشرعية العملية منها تنزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - عند استعداد الأمة لها بالنسبة إلى العبادات ، وعند الحاجة إليها في العمل بالنسبة إلى المعاملات ، والمذكور منها في سورة البقرة أنواع ، نلخصها فيما يلي :

1 - إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بمدح أهلهما في ( الآية 3 ) والأمر بهما في ( الآية 110 ) .

2 - تحريم السحر ، وكونه فتنة وكفرا أو مستلزما للكفر ( الآية 102 ) .

3 - أحكام القصاص في القتلى ، وهو المساواة فيها وحكمته ( الآيتان 178 و 179 ) .

4 - الوصية للوالدين والأقربين ( الآيات 180 - 182 ) .

5 - أحكام الصيام مفصلة ، وقد نزلت في السنة الثانية للهجرة ( الآيات 183 - 187 ) .

6 - تحريم أكل أموال الناس بالباطل ، والإدلاء بها إلى الحكام للاستعانة بهم على أكل فريق منها بالإثم ، كما هو الفاشي في هذه الأزمنة ( الآية 188 ) .

7 - جعل الأشهر الهلالية هي المعتمد عليها في المواقيت الدينية للناس ، ومنها الصيام والحج ( الآية 189 ) ، ومدة الإيلاء ( الآية 226 ) ، وعدة النساء ( الآية 228 ) .

8 - أحكام القتال وكونه ضرورة مقيدة بقتال من يقاتلنا ويهدد حرية ديننا دون غيرهم وبتحريم الاعتداء فيه ، وغايته منع الفتنة في الدين وهو الإكراه فيه ، والتعذيب والإيذاء للصد عنه ، والمراد ما يسمى في عرف هذا العصر بحرية الاعتقاد والوجدان ، ومنه أحكام القتال في الشهر الحرام ( الآيات 190 - 194 ، 216 - 218 ثم 244 - 252 ) .

9 - الأمر بإنفاق المال في سبيل الله ؛ لأنه وسيلة للوقاية من التهلكة ، وهذا يتناول الإنفاق

[ ص: 92 ] للاستعداد للقتال الذي يرجى أن يكون سببا للسلم ومنع القتال ، والسلامة من الهلاك ، ويتناول غير ذلك كمنع العدوان العام والخاص ، والنظم الضارة بالاجتماع ( الآية 195 ) ثم الأمر بالإنفاق لأجل السلامة من هلاك الآخرة ( في الآية 254 ) ثم الترغيب في الإنفاق والوعد بمضاعفة الأجر عليه بسبعمائة ضعف وأكثر ، وبيان شرط قبوله وآدابه ، وضرب الأمثال للإخلاص وللرياء فيه في سياق طويل ( الآيات 261 - 274 ) .

10 - أحكام الحج والعمرة ( الآيات 196 - 203 ) .

11 - النفقات والمستحقون لها من الناس ( الآيات 215 و 219 و 273 ) .

12 - تحريم الخمر والميسر تحريما ظنيا اجتهاديا راجحا غير قطعي تمهيدا للتحريم الصريح بالنص القطعي ( الآية 219 ) .

13 - معاملة اليتامى ومخالطتهم في المعيشة ( الآية 220 ) .

14 - تحريم إنكاح المؤمنين المشركات ، وإنكاح المشركين المؤمنات ( الآية 221 ) .

15 - تحريم إتيان النساء في المحيض ، وفي غير مكان الحرث ، ووجوب إتيانهن من حيث أمر الله بأي صفة كانت ( الآيتان 222 و 223 ) .

16 - بعض أحكام الأيمان بالله ، كجعلها مانعة من البر والتقوى والإصلاح ، وعدم المؤاخذة بيمين اللغو ( الآيتان 224 و 225 ) .

17 - حكم الإيلاء من النساء ( الآيتان 226 و 227 ) .

18 - أحكام الزوجية من الطلاق والرضاعة والعدة وخطبة المعتدة ونفقتها ومتعة المطلقة ( الآيات 228 - 237 و 241 ) .

19 - حظر الربا والأمر بترك ما بقي منه والاكتفاء برءوس الأموال منه وإيجاب إنظار المعسر ، أي إمهاله إلى ميسرة ( الآيات 275 - 280 ) .

20 - أحكام الدين من كتابة وإشهاد وشهادة وحكم النساء والرجال فيها والرهان ووجوب أداء الأمانة وتحريم كتمان الشهادة ( الآيتان 282 و 283 ) .

21 - خاتمة الأحكام العملية : الدعاء العظيم في خاتمة السورة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث