الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وجود الخلق دليل وجود الخالق

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب


( ( دلت على وجوده الحوادث سبحانه فهو الحكيم الوارث ) )

( ( دلت ) ) دلالة عقلية قطعية ( على وجوده ) - سبحانه وتعالى - ( الحوادث ) جمع حادث ، وهو خلاف القديم ، والدلالة هي كون الشيء بحيث يلزم من العلم به العلم أو الظن بشيء آخر ، أو من الظن به الظن بشيء آخر ، فالأول يسمى دليلا برهانيا ، وبرهانا إن لم يتخلله الظن ، وإلا فدليلا إقناعيا وأمارة ، والشيء الثاني يسمى مدلولا . ثم الدال إن كان لفظا فالدلالة لفظية ، وإلا فغير لفظية ، فإن توسط الوضع فيها كالخطوط والعقود والإشارة والنصب فوضعية وإلا فعقلية ، كدلالة العالم على الصانع ، وقد استدل به جمع محققون من علماء الكلام وغيرهم ، وهو مبني على مقدمتين ، إحداهما : أن الحوادث موجودة ، والثاني : أن الحادث لا يوجد إلا بقديم ، وبعضهم يعبر أن الممكنات موجودة ، وأن الممكن لا يوجد إلا بواجب . فأما المقدمة الأولى فدليلها ما يشاهد من حدوث الحوادث ، فإنا نشاهد حدوث الحيوان والنبات والمعادن ، وحوادث الجو كالسحاب والمطر وغير ذلك ، وهذه [ ص: 44 ] الحوادث ليست ممتنعة - فإن الممتنع لا يوجد - ولا واجبة الوجود بنفسها - فإن واجب الوجود بنفسه لا يقبل العدم - وهذه كانت معدومة ثم وجدت ، فعدمها ينفي وجودها ، ووجودها ينفي امتناعها . وهذا دليل قاطع واضح بين على ثبوت الممكنات . وأصرح من ذلك وأوضح أن نفس حدوث الحوادث دليل على إثبات المحدث لها ، فإن العلم بأن الحادث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن الممكن لا بد له من واجب ، فتكون هذه الطريق أبين وأقصر كما في النظم . وأما المقدمة الثانية وهي أن الحادث لا بد له من محدث فلاستحالة حدوثه بنفسه ، كما قال - تعالى : ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) ، يقول الله - تعالى : أحدثوا من غير محدث أم هم أحدثوا أنفسهم ، ومعلوم أن المحدث لا يوجد بنفسه ، وطريق العلم بذلك أن يقال : الموجود إما حادث وإما قديم ، والحادث لا بد له من قديم ، فيلزم ثبوت القديم على كل حال ، وذلك أن الفقر والحاجة لكل حادث وممكن وصف لازم لها ، فهي مفتقرة إليه دائما حال الحدوث وحال البقاء ، ومن زعم من أهل الكلام أن افتقارها إليه في حال الحدوث فقط ، كما يقوله من يقوله من المعتزلة وغيرهم ، أو في حال البقاء فقط ، كما يقوله من يقوله من المتفلسفة القائلين بمساواة العالم له ، وكلا القولين خطأ ، كما قاله شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيمية - روح الله روحه - في شرح عقيدة شمس الدين الأصبهاني - رحمه الله تعالى ، فالإمكان والحدوث متلازمان ، فكل محدث ممكن ، وكل ممكن محدث ، والفقر ملازم لهما ، فلا تزال مفتقرة إليه ، لا تستغني عنه لحظة عين ، وهو الصمد الذي يصمد إليه جميع المخلوقات ، ولا يصمد هو إلى شيء ، بل هو - سبحانه - المغني لما سواه . وللإمام ابن تيمية :


الفقر لي وصف ذات لازم أبدا     كما الغنى أبدا وصف له ذاتي



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث