الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها

( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون )

قوله تعالى : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون )

اعلم أنه تعالى لما استوفى الكلام في الوعيد أتبعه بالوعد في هذه الآية ، وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : اعلم أن أكثر أصحاب المعاني على أن قوله تعالى : ( لا نكلف نفسا إلا وسعها ) اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر والتقدير : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) ، وإنما حسن وقوع هذا الكلام بين المبتدأ والخبر ؛ لأنه من جنس هذا الكلام ؛ لأنه لما ذكر عملهم الصالح ، ذكر أن ذلك العمل في وسعهم غير خارج عن قدرتهم ، وفيه تنبيه للكفار على أن الجنة مع عظم محلها يوصل إليها بالعمل السهل من غير تحمل الصعب . وقال قوم : موضعه خبر عن ذلك المبتدأ والعائد محذوف ، كأنه قيل : لا نكلف نفسا منهم إلا وسعها ، وإنما حذف العائد للعلم به .

المسألة الثانية : معنى الوسع ما يقدر الإنسان عليه في حال السعة والسهولة لا في حال الضيق والشدة ، والدليل عليه : أن معاذ بن جبل قال في هذه الآية : إلا يسرها لا عسرها . وأما أقصى الطاقة فيسمى جهدا لا وسعا ، وغلط من ظن أن الوسع بذل المجهود .

المسألة الثالثة : قال الجبائي : هذا يدل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله تعالى كلف العبد بما لا يقدر عليه ؛ لأن الله تعالى كذبهم في ذلك ، وإذا ثبت هذا الأصل بطل قولهم في خلق الأعمال ؛ لأنه لو كان خالق أعمال العباد هو الله تعالى ، لكان ذلك تكليف ما لا يطاق ؛ لأنه تعالى إن كلفه بذلك الفعل حال ما خلقه فيه ، فذلك تكليفه بما لا يطاق ؛ لأنه أمر بتحصيل الحاصل ، وذلك غير مقدور ، وإن كلفه به حال ما لم يخلق من ذلك الفعل فيه كان ذلك أيضا تكليف ما لا يطاق ؛ لأن على هذا التقدير : لا قدرة للعبد على تكوين [ ص: 66 ] ذلك الفعل وتحصيله ، قالوا : وأيضا إذا ثبت هذا الأصل ظهر أن الاستطاعة قبل الفعل ؛ إذ لو كانت حاصلة مع الفعل ، والكافر لا قدرة له على الإيمان مع أنه مأمور به ، فكان هذا تكليف ما لا يطاق ، ولما دلت هذه الآية على نفي التكليف بما لا يطاق ، ثبت فساد هذين الأصلين .

والجواب : أنا نقول : وهذا الإشكال أيضا وارد عليكم ؛ لأنه تعالى يكلف العبد بإيجاد الفعل ، حال استواء الدواعي إلى الفعل والترك ، أو حال رجحان أحد الداعيين على الآخر ، والأول باطل ؛ لأن الإيجاد ترجيح لجانب الفعل ، وحصول الترجيح حال حصول الاستواء محال ، والثاني باطل ؛ لأن حال حصول الرجحان كان الحصول واجبا ، فإن وقع الأمر بالطرف الراجح كان أمرا بتحصيل الحاصل ، وإن وقع بالطرف المرجوح كان أمرا بتحصيل المرجوح حال كونه مرجوحا ، فيكون أمرا بالجمع بين النقيضين وهو محال ، فكل ما تجعلونه جوابا عن هذا السؤال ، فهو جوابنا عن كلامكم . والله أعلم .

وأما قوله تعالى : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل ) فاعلم أن نزع الشيء قلعه عن مكانه ، والغل الحقد . قال أهل اللغة : وهو الذي يغل بلطفه إلى صميم القلب ، أي : يدخل ، ومنه الغلول وهو الوصول بالحيلة إلى الذنوب الدقيقة ، ويقال : انغل في الشيء ، وتغلغل فيه إذا دخل فيه بلطافة ، كالحب يدخل في صميم الفؤاد .

إذا عرفت هذا فنقول : لهذه الآية تأويلان :

القول الأول : أن يكون المراد أزلنا الأحقاد التي كانت لبعضهم على بعض في دار الدنيا ، ومعنى نزع الغل : تصفية الطباع وإسقاط الوساوس, ومنعها من أن ترد على القلوب ، فإن الشيطان لما كان في العذاب لم يتفرغ لإلقاء الوساوس في القلوب ، وإلى هذا المعنى أشار علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم : ( ونزعنا ما في صدورهم من غل )

والقول الثاني : أن المراد منه أن درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان ، فالله تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة .

قال صاحب "الكشاف" : هذا التأويل أولى من الوجه الأول ، حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره الله تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض ، ولعن بعضهم بعضا ، ليعلم أن حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضا مفارقة لحال أهل النار .

فإن قالوا : كيف يعقل أن يشاهد الإنسان النعم العظيمة ، والدرجات العالية ، ويرى نفسه محروما عنها عاجزا عن تحصيلها ، ثم إنه لا يميل طبعه إليها ، ولا يغتم بسبب الحرمان عنها ، فإن عقل ذلك ، فلم لا يعقل أيضا أن يعيدهم الله تعالى ، ولا يخلق فيهم شهوة الأكل والشرب والوقاع ، ويغنيهم عنها ؟

قلنا : الكل ممكن ، والله تعالى قادر عليه ، إلا أنه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب ، وما وعد بإزالة شهوة الأكل والشرب عن النفوس ، فظهر الفرق بين البابين .

ثم إنه تعالى قال : ( تجري من تحتهم الأنهار ) والمعنى : أنه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم باللذات العظيمة ، وقوله : ( تجري من تحتهم الأنهار ) من رحمة الله وفضله وإحسانه ، وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية .

[ ص: 67 ] ثم حكى تعالى عن أهل الجنة أنهم قالوا : ( الحمد لله الذي هدانا لهذا ) وقال أصحابنا : معنى ( هدانا الله ) أنه أعطى القدرة ، وضم إليها الداعية الجازمة ، وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجبا لحصول تلك الفضيلة . فإنه لو أعطى القدرة ، وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر ، ولو خلق الله الداعية المعارضة أيضا لسائر الدواعي الصارفة ، لم يحصل الفعل أيضا . أما لما خلق القدرة ، وخلق الداعية الجازمة ، وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجبا للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير الله تعالى ، وتخليقه وتكوينه .

وقالت المعتزلة : التحميد إنما وقع على أنه تعالى أعطى العقل ووضع الدلائل ، وأزال الموانع ، وعند هذا يرجع إلى مباحث الجبر والقدر على سبيل التمام والكمال .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث