الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 341 ] سورة البلد [ فيها ثلاث آيات ] الآية الأولى قوله تعالى : { لا أقسم بهذا البلد } : فيها خمس مسائل :

المسألة الأولى في قراءتها : قرأ الحسن ، والأعمش ، وابن كثير : لأقسم من غير ألف زائدة على اللام إثباتا . وقرأها الناس بالألف نفيا المسألة الثانية اختلف الناس إذا كان حرف " لا " مخطوطا بألف على صورة النفي ، هل يكون المعنى نفيا كالصورة أم لا ؟ فمنهم من قال : تكون صلة في اللفظ ، كما تكون " ما " صلة فيه ; وذلك في حرف " ما " كثير ; فأما حرف لا فقد جاءت [ كذلك ] في قول الشاعر :

تذكرت ليلى فاعترتني صبابة وكاد ضمير القلب لا يتقطع

أي يتقطع ، ودخل حرف " لا " صلة .

ومنهم من قال : [ يكون ] توكيدا ، كقول القائل : لا والله ، وكقول أبي كبشة [ امرئ القيس ] :

فلا وأبيك ابنة العامري     لا يدعي القوم أني أفر

قال أبو بكر بن عياش : ومنهم من قال : إنها رد لكلام من أنكر البعث ، ثم ابتدأ القسم ; فقال : أقسم ، ليكون فرقا بين اليمين المبتدأة وبين اليمين التي تكون ردا ; قاله الفراء .

المسألة الثالثة أما كونها صلة فقد ذكروا في قوله : { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } في سورة الأعراف أنه صلة ، بدليل قوله في ص : { ما منعك أن تسجد لما [ ص: 342 ] خلقت بيدي أستكبرت } والنازلة واحدة ، والمقصود واحد ، والمعنى سواء ; فالاختلاف إنما يعود إلى اللفظ خاصة .

وأما من قال : إنه توكيد فلا معنى له هاهنا ; لأن التوكيد إنما يكون إذا ظهر المؤكد ; كقوله : لا والله لا أقوم ، فإذا لم يكن هناك مؤكد فلا وجه للتأكيد ، ألا ترى إلى قوله :

فلا وأبيك ابنة العامري     لا يدعي القوم أني أفر

[ كيف ] أكد النفي وهو لا يدعي بمثله .

ومن أغرب هذا أنه قد تضمر وينفى معناها ، كما قال أبو كبشة :

فقلت يمين الله أبرح قاعدا     ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

في قول . وقد حققنا ذلك في رسالة الإلجاء للفقهاء إلى معرفة غوامض الأدباء .

وأما من قال : إنها رد فهو قول ليس له رد ; لأنه يصح به المعنى ، ويتمكن اللفظ والمراد .

المسألة الرابعة وأما من قرأها : لأقسم فاختلفوا ; فمنهم من حذفها في الخط كما حذفها في اللفظ ، وهذا لا يجوز ; فإن خط المصحف أصل ثبت بإجماع الصحابة . ومنهم من قال : أكتبها ولا ألفظ بها ، كما كتبوا " لا إلى الجحيم " . و " لا إلى الله تحشرون " بألف ، ولم يلفظوا بها ، وهذا يلزمهم في قوله : { فلا أقسم بمواقع النجوم } وشبهه ، ولم يقولوا به .

فإن قيل : إنما تكون صلة في أثناء الكلام ، كقوله : { لئلا يعلم أهل الكتاب } وقوله : { ألا تسجد إذ أمرتك } ونحوه ; فأما في ابتداء الكلام فلا يوصل بها إلا مقرونة بألف ، كقوله : { ألا إن وعد الله حق } .

فأجابوا عنه بأن قالوا : إن القرآن ككلمة واحدة ، وليس كما زعموا ; لأنه لو وصل بها ما قبلها لكانت : أهل التقوى وأهل المغفرة لا أقسم بيوم القيامة .

وهذا لا يجوز ، حتى إن قوما كرهوا في القراءة أن يصلوها بها ، ووقفوا حتى يفرقوا بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم ، ليقطعوا الوصل المتوهم . [ ص: 343 ]

والجواب الصحيح أن نقول : إن الصلة بها في أول الكلام كصلة آخره بها ، كذكرها في أثنائه ; بل ذكرها في أثنائه أبلغ في الإشكال ، كقوله : { ما منعك ألا تسجد } ولو كان هذا كله خارجا عن أسلوب البلاغة ، قادحا في زين الفصاحة ، مثبجا قوانين العربية التي طال القرآن بها أنواع الكلام ، ولاعترض عليه به الفصحاء البلغ ، والعرب العرب ، والخصماء اللد ، فلما سلموا فيه تبين أنه على أسلوبهم جار ، وفي رأس فصاحتهم منظوم ، وعلى قطب عربيتهم دائر ، وقد عبر عنه سعيد بن جبير وغيره من محققي المفسرين ، فقالوا : قوله : { لا أقسم } قسم .

المسألة الخامسة فإن قيل : كيف أقسم الله سبحانه بغيره .

قلنا : هذا قد بينا الجواب عنه على البلاغ في كتاب قانون التأويل ، وقلنا : للباري تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تعظيما لها .

فإن قيل : فلم منع النبي صلى الله عليه وسلم من القسم بغير الله ؟ قلنا : لا تعلل العبادات . ولله أن يشرع ما شاء ، ويمنع ما شاء [ ويبيح ما شاء ] ، وينوع المباح والمباح له ، ويغاير بين المشتركين ، ويماثل بين المختلفين ، ولا اعتراض عليه فيما كلف من ذلك ، وحمل فإنه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون .

فإن قيل . فلم قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح للأعرابي الذي قص عليه دعائم الإسلام وفرائض الإيمان ، فقال : والله لا أزيد على هذا ولا أنقص : أفلح وأبيه إن صدق . [ قلت : قد رأيته في نسخة مشرقية في الإسكندرية : أفلح والله إن صدق ، ويمكن ] أن يتصحف قوله : والله بقوله : وأبيه . جواب آخر بأن هذا منسوخ بقوله : { إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم } .

جواب آخر إن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عنه عبادة ، فإذا جرى ذلك على الألسن [ ص: 344 ] عادة فلا يمنع ، فقد كانت العرب تقسم في ذلك بمن تكره ، فكيف بمن تعظم ; قال ابن ميادة :

أظنت سفاها من سفاهة رأيها     لأهجوها لما هجتني محارب
فلا وأبيها إنني بعشيرتي     ونفسي عن هذا المقام لراغب

وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد فقهاء المدينة السبعة :

لعمر أبي الواشين أيان نلتقي     لما لا تلاقيها من الدهر أكثر
يعدون يوما واحدا إن لقيتها     وينسون أياما على النأي تهجر

وقال آخر :

لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم     لقد كلفتني خطة لا أريدها

وقال آخر :

فلا وأبي أعدائها لا أزورها

وإذا كان هذا شائعا كان من هذا الوجه سائغا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث