الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة فيمن قال إن نسبة البارئ تعالى إلى العلو من جميع الجهات المخلوقة

[ ص: 181 ] مسألة

فيمن قال: إن نسبة البارئ تعالى

إلى العلو من جميع الجهات المخلوقة
[ ص: 182 ] [ ص: 183 ] مسألة

سئل عنها سيدنا وشيخنا وإمامنا الشيخ الإمام العالم العامل الناسك البارع المجتهد السالك المحقق المدقق مفتي الفرق ناصر السنن قامع البدع فريد عصره وواسطة عقد دهره، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد بن تيمية الحراني -متعنا الله بعلومه الفاخرة، وأسبغ عليه نعمه باطنة وظاهرة، وأثابه في الدنيا والآخرة- بالديار المصرية، فيمن قال: إن نسبة البارئ تعالى إلى العلو من جميع الجهات المخلوقة، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، وأنه بائن من خلقه، لا يتصور ذلك في الذهن إلا إذا فرضنا أن ذات الحق فلكية محيطة بالفلك؟ إذ الفلك مستدير محيط بالخلق. فهذا التصور حق أم لا؟ وإذا لم يكن حق فما الدليل الخاصم بحجته بما يقبله العقل الصحيح؟ أفتونا مأجورين رضي الله عنكم أجمعين.

أجاب -رضي الله عنه-

الحمد لله. بل هذا التصور باطل، وأما بيان بطلانه فله طرق كثيرة، وذلك أن هذا القائل يقول: لو كان البارئ سبحانه فوق المخلوقات وهو بائن من مخلوقاته، لوجب أن يكون فلكا محيطا بالأفلاك، لأن الفلك التاسع مستدير، وهو محيط بسائر الأفلاك وما في جوفها، والمحدد للجهات هو سطح الفلك التاسع، فلو قدرنا [ ص: 184 ] شيئا فوقه للزم أن يكون فلكا تاسعا، وهو مبني على أن الأفلاك مستديرة، وهذا ثابت بالسمع والعقل. وربما قال بعضهم: إن الأفلاك هي تحت الأرض، فلو كان فوق العالم للزم أن يكون تحت هذه الأرض تحت بعض الناس.

فهذا حقيقة كلامه، وأما بيان بطلانه فمن وجوه:

أحدها أن يقال: لا يخلو إما أن يكون الخالق تعالى مباينا للمخلوقات، وإما أن يكون محايثا لها، وإما أن لا يكون لا مباينا ولا محايثا لها" وإن شئت قلت: إما أن يكون داخل العالم، وإما أن يكون خارجه، وإما أن لا يكون لا داخل العالم ولا خارجه؛ وإن شئت قلت: هو سبحانه لما خلق العالم إما أن يكون دخل فيه أو أدخله في نفسه ، أو لا دخل فيه ولا أدخله في نفسه.

فإن قال: إنه داخل العالم محايث له أي هو يحيث العالم، والعالم أجسام قام بها أعراض هي الصفات، فالذي هو داخل فيه محايث له: إما عرض قائم بأجسامه وإما بعض أجسامه، وعلى القول بكون سطح الفلك محيطا به فالقول بكون الفلك محيطا به أبعد عن العقل والدين من كونه محيطا بالفلك.

فإن قال: يمكن في العقل أن يكون داخل العالم ولا يكون جسما من أجسام العالم ولا عرضا قائما به.

قيل له: فإن كان هذا جائزا في العقل فكونه خارجا عن العالم [ ص: 185 ] مباينا له وكونه عين الفلك أقرب في العقل من كونه فيه والعالم لا يحيط به. وهذا بين واضح.

فإن أثبت أنه في العالم ولا يحيط به العالم كان القول بأنه خارج العالم وليس بفلك أولى في العقل.

وإن قال: إنه فيه، والعالم يحيط به، وذلك ممكن، كان القول بأنه هو المحيط بالعالم أولى في العقل أن يكون ممكنا .

فتبين أنه على التقديرين أي محذور لزمه في كونه خارج العالم مباينا له كان المحذور في كونه داخله محايثا له أعظم وأقوى، فلا يجوز إثبات الأبعد عن العقل والدين بنفي الأقرب إلى العقل والدين. وأما إن قال: إنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ولا محايث له.

قيل له: فهل يعقل موجودان قائمان بأنفسهما لا يكون أحدهما داخل الآخر ولا خارجه؟ وهل يعقل إثبات خالق للعالم ليس في العالم ولا مباينا للعالم؟ وهل يعقل أن يكون خلق العالم لا في نفسه ولا خارجا عن نفسه؟

فإن قال: هذا معقول ممكن متصور.

قيل: فتصور موجود قائم في هذا الباب يستعمل لثلاث معان: أحدها: أن يراد بالمباينة المخالفة التي هي ضد المماثلة، وهي بهذا الاعتبار متفق عليها بين الناس، إذ لا نزاع بينهم أن الخالق سبحانه [ ص: 186 ] مباين لمخلوقاته بهذا المعنى، لكن هذه المباينة تثبت لصفات الموصوف القائمة بمحل واحد، وهي الأعراض القائمة بالجسم، كالطعم واللون والريح والحركة والسكون القائمة بالساحة مثلا، فإن هذه الصفات تباين بعضها بعضا بهذا المعنى، فإن كل واحدة من هذه الصفات التي تسمى أعراضا ليست مثل الآخر.

والمعنى الثاني في المباينة: حد المحايثة، وهو أن يكون أحد الشيئين ليس هو محايثا له، سواء كان ملاصقا له مباينا أو لم يكن كذلك، فكل شيء قائم بنفسه مباين لكل شيء قائم بنفسه بهذا الاعتبار، سواء ماسه أو لم يماسه. وهذه المباينة المذكورة في السؤال، وهي التي أرادها السلف والأئمة كعبد الله بن المبارك وغيره، حيث قالوا: نعرف ربنا بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه.

وكان المتكلمة الصفاتية الذين سلك مسلكهم الأشعري -كعبد الله بن سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي وأبي العباس القلانسي وغيرهم- يثبتون هذه المباينة، لاعتقادهم أن الله فوق خلقه وأنه مستو على عرشه، وإنكارهم على الجهمية الذين لا يفرقون بين العرش وغيره. وكذلك ذكر الأشعري ذلك عن أهل السنة والحديث، وذكر أنه هو قوله ، ورد على الجهمية في كتبه المعروفة "كالموجز" و"الإبانة" و"المقالات" وغير ذلك من كتبه.

والمعنى الثالث من معاني المباينة: ما يضاد المماسة والملاصقة، وهذه المباينة المعروفة عند الناس، وهي أخص معانيها. وليس [ ص: 187 ] المقصود هنا ذكر هذه لا نفيا ولا إثباتا، فإن القائم بنفسه لا يجب أن يكون مباينا لكل قائم بنفسه بهذا الاعتبار، وكل مباينة يجب للمخلوق مع المخلوق فالخالق أحق بها سبحانه وتعالى.

فلما وجب أن يكون المخلوق مباينا للمخلوق بالمعنى الأول والثاني كان الخالق أحق بذلك وزيادة، لامتناع مماثلته للمخلوق ومحايثته له، فإن المماثلة والمحايثة ممتنعان عليه لامتناع مساواته لخلقه أو احتياجه إليهم، والمماثلة والمحايثة توجب ذلك.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث