الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثم دخلت سنة ثمانين وأربعمائة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 315 ] 480

ثم دخلت سنة ثمانين وأربعمائة .

ذكر زفاف ابنة السلطان إلى الخليفة .

في المحرم نقل جهاز ابنة السلطان ملكشاه إلى دار الخلافة على مائة وثلاثين جملا مجللة بالديباج الرومي ، وكان أكثر الأحمال الذهب والفضة وثلاث عماريات ، وعلى أربعة وسبعين بغلا مجللة بأنواع الديباج الملكي ، وأجراسها وقلائدها من الذهب والفضة ، وكان على ستة منها اثنا عشر صندوقا من الذهب لا يقدر ما فيها من الجواهر والحلي ، وبين يدي البغال ثلاثة وثلاثون فرسا من الخيل الرائقة ، عليها مراكب الذهب مرصعة بأنواع الجوهر ، ومهد عظيم كثير الذهب .

وسار بين يدي الجهاز سعد الدولة كوهرائين ، والأمير برسق ، وغيرهما ، ونثر أهل نهر معلى عليهم الدنانير والثياب ، وكان السلطان قد خرج عن بغداذ متصيدا ، ثم أرسل الخليفة الوزير أبا شجاع إلى تركان خاتون ، زوجة السلطان ، وبين يديه نحو ثلاثمائة موكبية ، ومثلها مشاعل ، ولم يبق في الحريم دكان إلا وقد أشعل فيها الشمعة والاثنتان وأكثر من ذلك .

وأرسل الخليفة مع ظفر خادمه محفة لم ير مثلها حسنا ، وقال الوزير لتركان خاتون : سيدنا ومولانا أمير المؤمنين يقول : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) وقد أذن في نقل الوديعة إلى داره . فأجابت بالسمع والطاعة ، وحضر نظام الملك فمن دونه من أعيان دولة السلطان ، وكل منهم معه من الشمع والمشاعل [ ص: 316 ] الكثير ، وجاء نساء الأمراء الكبار ومن دونهم كل واحدة منهن منفردة في جماعتها وتجملها ، وبين أيديهن الشمع الموكبيات والمشاعل يحمل ذلك جميعه الفرسان .

ثم جاءت الخاتون ابنة السلطان ، بعد الجميع ، في محفة مجللة ، عليها من الذهب والجواهر أكثر شيء ، وقد أحاط بالمحفة مائتا جارية من الأتراك بالمراكب العجيبة ، وسارت إلى دار الخلافة ، وكانت ليلة مشهودة لم ير ببغداذ مثلها .

فلما كان الغد أحضر الخليفة أمراء السلطان لسماط أمر بعمله حكي أن فيه أربعين ألفا منا من السكر ، وخلع عليهم كلهم ، وعلى كل من له ذكر في العسكر ، وأرسل الخلع إلى الخاتون زوجة السلطان ، وإلى جميع الخواتين ، وعاد السلطان من الصيد بعد ذلك .

ذكر عدة حوادث .

في هذه السنة ولد للسلطان ابن من تركان خاتون ، وسماه محمودا ، وهو الذي خطب له بالمملكة بعد .

وفيها سلم السلطان ملكشاه مدينة حلب والقلعة إلى مملوكه آقسنقر ، فوليها ، وأظهر فيها العدل وحسن السيرة وكان زوج داية السلطان ملكشاه ، وهي التي تحضنه وتربيه ، وماتت بحلب سنة أربع وثمانين [ وأربعمائة ] .

وفيها استبق ساعيان أحدهما للسلطان فضلي ، والآخر للأمير قماج مرعوشي ، فسبق ساعي السلطان ، وقد تقدم ذكر الفضلي والمرعوشي أيام معز الدولة بن بويه .

[ ص: 317 ] وفيها جعل السلطان ولي عهده ولده أبا شجاع أحمد ، ولقبه ملك الملوك ، عضد الدولة ، وتاج الملة ، عدة أمير المؤمنين ، وأرسل إلى الخليفة بعد مسيره من بغداذ ، ليخطب له ببغداذ بذلك ، فخطب له في شعبان ، ونثر الذهب على الخطباء .

وفيها ، في شعبان ، انحدر سعد الدولة كوهرائين إلى واسط لمحاربة مهذب الدولة بن أبي الجبر ، صاحب البطائح ، ولما فارق بغداذ كثرت فيها الفتن .

وفيها ، في ذي القعدة ، ولد للخليفة من ابنة السلطان ولد سماه جعفرا ، وكناه أبا الفضل ، وزين البلد لأجل ذلك .

وفيها استولى العميد ( كمال الملك ) أبو الفتح الدهستاني ، عميد العراق ، على مدينة هيت ، أخذها صلحا ومضى إليها ، وعاد عنها في ذي القعدة .

وفيها وقعت فتنة بين الكرخ وغيرها من المحال ، قتل فيها كثير من الناس .

وفيها كسفت الشمس كسوفا كليا .

[ الوفيات ]

وفيها توفي الأمير أبو منصور قتلغ أمير الحاج ، وحج أميرا اثنتي عشرة سنة ، وكانت له في العرب عدة وقعات ، وكانوا يخافونه ، ولما مات قال نظام الملك : مات اليوم ألف رجل ، وولي إمارة الحاج نجم الدولة خمارتكين .

وفيها ، في جمادى الأولى ، توفي إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن سعد أبو [ ص: 318 ] القاسم الساوي ، سمع الحديث الكثير من أبي سعيد الصيرفي وغيره ، وروى عنه الناس ، وكان ثقة ، وطاهر بن الحسين أبو الوفا البندنيجي ، الهمذاني ، كان شاعرا ، أديبا وكان يمدح لا لعرض الدنيا ، ومدح نظام الملك بقصيدتين كل واحدة منهما تزيد على أربعين بيتا ، إحداهما ليس فيها نقطة ، والأخرى جميع حروفها منقوطة .

وفيها توفيت فاطمة بنت علي المؤدب ، المعروفة ببنت الأقرع ، الكاتبة ، كانت من أحسن الناس خطا على طريقة ابن البواب ، وسمعت الحديث وأسمعته .

وفيها ، في ذي القعدة ، توفي غرس النعمة أبو الحسن محمد بن الصابي ، صاحب التاريخ ، وظهر له مال كثير ، وكان له معروف وصدقة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث