الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في كراهة الشكوى من المرض والضير واستحباب حمد الله قبل ذكرهما

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

فصل ( في كراهة الشكوى من المرض والضير واستحباب حمد الله قبل ذكرهما ) .

قال القاضي أبو الحسين في الطبقات في ترجمة أبي الفضل عبد الرحمن المتطبب ، وقال أبو العباس محمد بن أحمد بن الصلت : سمعت عبد الرحمن المتطبب يعرف بطبيب السنة يقول : دخلت على أحمد بن حنبل أعوده فقلت : كيف تجدك ؟ فقال : أنا بعين الله ، ثم دخلت على بشر بن الحارث فقلت : كيف تجدك ؟ قال أحمد الله إليك ، أجد كذا ، أجد كذا ، فقلت : أما تخشى أن يكون هذا شكوى ؟ فقال : حدثنا المعافى بن عمران عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة والأسود قالا : سمعنا عبد الله بن مسعود يقول قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم { إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك } فدخلت على أحمد بن حنبل فحدثته فكان إذا سألته قال : أحمد الله إليك ، أجد كذا أجد كذا .

قال الخلال في عبد الرحمن هذا : كان يأنس به أحمد وبشر بن الحارث ويختلف إليهما ، وأظن أن أبا الحسين نقل هذا من كتاب الخلال ، وهذا الخبر السابق متفق عليه .

وقال الشيخ مجد الدين في شرح الهداية ولا بأس أن يخبر بما يجده من ألم ووجع لغرض صحيح ، لا لقصد الشكوى . واحتج أحمد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة لما قالت : { وارأساه . قال : بل أنا وارأساه } [ ص: 183 ]

واحتج ابن المبارك بقول ابن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم { إنك لتوعك وعكا شديدا ، فقال أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم } متفق عليه وقال ابن عقيل في الفنون قوله تعالى : { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا } .

يدل على جواز الاستراحة إلى نوع من الشكوى عند إمساس البلوى ونظيره { يا أسفى على يوسف } { مسني الضر } { ما زالت أكلة خيبر تعاودني } انتهى كلام ابن عقيل .

وقال رجل للإمام أحمد : كيف تجدك يا أبا عبد الله ؟ قال : بخير في عافية ، فقال : حممت البارحة قال إذا قلت لك : أنا في عافية فحسبك لا تخرجني إلى ما أكره ، قال ابن الجوزي : إذا كانت المصيبة مما يمكن كتمانها فكتمانها من أعمال الله الخفية .

وقال ابن الجوزي في موضع آخر : شكوى المريض مخرجة من التوكل وقد كانوا يكرهون أنين المريض لأنه يترجم عن الشكوى ، وذكر هذا النص عن أحمد وقال : فأما وصف المريض للطبيب ما يجده ، فإنه لا يضره انتهى كلامه .

وقال عبد الله إن أخت بشر بن الحارث قالت للإمام أحمد : يا أبا عبد الله أنين المريض شكوى قال : أرجو أنه لا يكون شكوى ولكنه اشتكى إلى الله ، وذكر غير واحد في كراهة الأنين في المرض روايتين ، ورويت الكراهة عن طاوس ، وذكر الشيخ تقي الدين بن تيمية ما ذكر غيره من أن الصبر واجب قال : والصبر لا تنافيه الشكوى وقال في مسألة العبودية : والصبر الجميل صبر بغير شكوى إلى المخلوق . ثم حكي عن أحمد تركه الأنين لما حكي له عن طاوس كراهته ، ثم قال : وأما الشكوى إلى الخالق فلا تنافي الصبر الجميل وقال ابن الجوزي في قوله تعالى { يا أسفى على يوسف } . [ ص: 184 ]

فإن قيل : هذا لفظ الشكوى فأين الصبر ؟ فالجواب من وجهين أحدهما : أنه شكا إلى الله لا منه والثاني : أنه أراد به الدعاء فالمعنى يا رب ارحم أسفي على يوسف وقال : قال ابن الأنباري : والحزن ونفور النفوس من المكروه والبلاء لا عيب فيه ، ولا مأثم إذا لم ينطق اللسان بكلام مؤثم ولم يشك من ربه . فلما كان قوله يا أسفى شكوى إلى ربه ، كان غير ملوم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث