الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ( فصل في أمر المعاد ) )

اعلم أن المعاد الجسماني حق واقع وصدق صادق دل عليه النقل الصحيح ولم يمنعه العقل فوجب الإيمان به ، والتصديق بموجبه لأنه جاء في السماع الصحيح المنقول ودل عليه عند الجمهور صريح المعقول ، وهو أن يبعث الله تعالى الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية ويعيد الأرواح إليها لقوله تعالى : ( قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) إلى غير ذلك من النصوص القرآنية القطعية والأحاديث الساطعة النبوية ، وقد أنكره الطبائعيون والدهرية والملحدة وفيه تكذيب للنقل الصريح والعقل الصحيح على ما قرره المحققون من أهل الملة .

وأنكرت الفلاسفة المعاد الجسماني بناء على امتناع إعادة المعدوم بعينه ، ووافق المعتزلة أهل الحق على المعاد الجسماني بناء منهم على أن المعدوم عندهم شيء فلو لم يقولوا به لأحالوه ; لأن المعدوم قبل الوجود عندهم قابل للوجود فكذلك إذا انعدم بعد الوجود ، وعند أهل السنة المعدوم نفي محض وهم مع ذلك قائلون بجواز إعادته .

وللمتكلمين في جواز إعادة الأعراض قولان : جواز إعادتها وهو الحق لأنه تعالى على كل شيء قدير . والثاني قول الفلاسفة ومن وافقهم من المعتزلة كأبي الحسين البصري ، والخوارزمي ، والكرامية قال :


( ( واجزم بأمر البعث والنشور والحشر جزما بعد نفخ الصور ) )



( ( واجزم ) ) جزم إيقان وإذعان واعتقاد وعرفان ( ( بأمر البعث ) ) بعد الموت ( ( والنشور ) ) من القبور ( ( والحشر ) ) لأجل الجزاء وفصل القضاء ( ( جزما ) ) مصدر مؤكد لقوله واجزم وذلك كله واقع ( ( بعد نفخ الصور ) ) المراد نفخة البعث وحاصل ما ذكر في هذا البيت أربعة أشياء ، البعث والنشور والحشر والنفخ في الصور ، أما البعث فالمراد به المعاد الجسماني فإنه المتبادر عند الإطلاق إذ هو الذي يجب اعتقاده ويكفر منكره ، قال الإمام المحقق ابن القيم في كتابه الروح كشيخه وغيرهما : معاد الأبدان متفق عليه بين [ ص: 158 ] المسلمين ، واليهود ، والنصارى .

وقال الجلال الدواني هو بإجماع أهل الملل وبشهادة نصوص القرآن بحيث لا يقبل التأويل كقوله تعالى : ( أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم ) .

وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وأبو حاتم ، والإسماعيلي في معجمه ، والحافظ الضياء في المختارة ، وابن مردويه ، والبيهقي في البعث عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : جاء العاص بن وائل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل ففته بيده فقال يا محمد ، يحيي الله هذا بعد ما أرم ؟ قال " نعم يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم " فنزلت الآيات من آخر يس ( أولم ير الإنسان ) إلى آخر السورة .

وهذا نص صريح في الحشر الجسماني يقلع عرق التأويل بالكلية . ولهذا قال الإمام الرازي : الإنصاف أنه لا يمكن الجمع بين الإيمان بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وبين نفي الحشر الجسماني ، فإنه قد ورد في عدة مواضع من القرآن المجيد التصريح به بحيث لا يقبل التأويل أصلا . انتهى .

وكذلك لا يمكن الجمع بين القول بقدم العالم على ما يقول الفلاسفة وبين الحشر الجسماني لأن النفوس الناطقة على هذا التقدير غير متناهية فتستدعي جميعا أبدانا غير متناهية وأمكنة غير متناهية ، وقد ثبت تناهي الأبعاد بالبرهان وباعترافهم ، والله تعالى أعلم .

و " ثم " في الحديث في قوله صلى الله عليه وسلم " نعم يبعث الله هذا ثم يميتك " للترتيب الإخباري لا للترتيب الحكمي كقولهم بلغني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب أي أخبرك أن ما صنعته أمس أعجب .

وأما النشور فهو يرادف البعث في المعنى ، يقال نشر الميت ينشر نشورا إذا عاش بعد الموت ، وأنشره الله أي أحياه ، ومنه قولهم يوم البعث والنشور .

وأما الحشر فهو في اللغة الجمع ، تقول حشرت الناس إذا جمعتهم ، والمراد به جمع أجزاء الإنسان بعد التفرقة ثم إحياء الأبدان بعد موتها .

واعلم أنه يجب الجزم شرعا أن الله تعالى يبعث جميع العباد ويعيدهم بعد إيجادهم بجميع أجزائهم الأصلية وهي التي من شأنها البقاء من أول العمر إلى آخره ويسوقهم إلى محشرهم لفصل القضاء ، فإن هذا حق ثابت بالكتاب [ ص: 159 ] والسنة وإجماع سلف الأمة مع كونه من الممكنات التي أخبر بها الشارع .

وكل ما هو كذلك فهو ثابت والإخبار عنه مطابق .

والأصل فيما لا دليل على وجوبه ولا على امتناعه الإمكان كما يقول الحكماء والمتكلمون من أن كل ما قرع سمعك من الغرائب قدره في حيز الإمكان ما لم يردك عنه قائم البرهان .

فمن زعم عدم إعادة المعدوم ألزم بالمبدأ ، فإن المعاد مثل المبدأ بل هو عينه أو أيسر كما لا يخفى .

وتقدم أن الأنبياء تأتي بما تدركه العقول أو تتحير فيه ولا تأتي بما تحيله العقول أبدا ، فتأتي بمحارات العقول لا بمحالات العقول ، وإمكان المعاد لأنه إما إيجاد ما انعدم أو جمع ما تفرق أو حيي بعد ما أميت ، وهذه كلها ممكنة لا إحالة في شيء من ذلك أصلا مع ما تواتر من أخبار الأنبياء والكتب السماوية ولا سيما في القرآن العظيم والذكر الحكيم ما لا مزيد عليه مثل : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت - قل بلى وربي لتبعثن - ثم إنكم يوم القيامة تبعثون - فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون - فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة - أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه - يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير - كما بدأكم تعودون - كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا - أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم - ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ) والآيات في ذلك كثيرة جدا .

وأما الأحاديث فكثيرة جدا ففي البخاري ، ومسلم وغيرهما ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب على المنبر يقول : " إنكم ملاقو الله حفاة عراة غرلا " زاد في رواية - مشاة - وفي رواية فيهما قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : " يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا ( كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) ) الحديث .

الغرل بضم الغين المعجمة وإسكان الراء جمع أغرل وهو الأقلف . ومثله في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها ، قالت فقلت : الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض ؟ قال : " الأمر أشد من أن يهمهم ذلك " وروي نحوه من حديث أم سلمة أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح وفيه فقالت أم سلمة رضي الله عنها : فقلت يا رسول الله واسوأتاه ، ينظر بعضنا [ ص: 160 ] إلى بعض ؟ فقال : شغل الناس ، قلت ما شغلهم ؟ قال " نشر الصحائف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل " .

وروي من حديث أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها أيضا ولفظه " يبعث الناس حفاة عراة غرلا قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان " قالت فقلت : يبصر بعضنا بعضا ؟ فقال : شغل الناس ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) رواه الطبراني ورواته ثقات .

التالي السابق


الخدمات العلمية