الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

سلطنة الملك المنصور صلاح الدين محمد ابن الملك المظفر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 624 ] سلطنة الملك المنصور صلاح الدين محمد ابن الملك المظفر حاجي ابن الملك الناصر بن محمد ابن الملك المنصور قلاوون بن عبد الله الصالحي ، وزوال دولة عمه الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاوون

لما كثر طمعه ، وتزايد شرهه ، وساءت سيرته إلى رعيته ، وضيق عليهم في معايشهم وأكسابهم ، وبنى البنايات الجبارة التي لا يحتاج إلى كثير منها ، واستحوذ على كثير من أملاك بيت المال وأمواله ، واشترى منه قرايا كثيرة ، ومدنا أيضا ، ورساتيق ، وشق ذلك على الناس جدا ، ولم يتجاسر أحد من القضاة ، ولا الولاة ، ولا العلماء ، ولا الصلحاء على الإنكار عليه ، ولا الهجوم عليه ، ولا النصيحة له بما هو مصلحة له وللمسلمين - انتقم الله منه ، فسلط عليه جنده ، وقلب قلوب رعيته من الخاصة والعامة عليه; لما قطع من أرزاقهم ، ومعاليمهم ، وجوامكهم ، وأخبازهم ، وأضاف ذلك جميعه إلى خاصته ، فقلت الأمراء ، والأجناد ، والمقدمون ، والكتاب ، والموقعون ، ومس الناس الضرر ، وتعدى على جوامكهم ، وأولادهم ، ومن يلوذ بهم ، فعند ذلك قدر الله تعالى هلاكه على يد أحد خواصه ، وهو الأمير الكبير سيف الدين يلبغا الخاصكي ، وذلك أنه أراد السلطان مسكه فاعتد لذلك ، وركب السلطان لمسكه فركب هو في جيش ، وتلاقيا في ظاهر القاهرة حيث كانوا نزولا في الوطاقات ، فهزم السلطان بعد كل حساب ، وقد قتل من الفريقين طائفة ، ولجأ السلطان إلى قلعة الجبل : كلا لا وزر [ القيامة : 11 ] ، ولن ينجي حذر من قدر ، فبات الجيش بكماله محدقا [ ص: 625 ] بالقلعة ، فهم بالهرب في الليل على هجن كان قد اعتدها ليهرب إلى الكرك ، فلما برز مسك ، واعتقل ، ودخل به إلى دار يلبغا الخاصكي المذكور ، وكان آخر العهد به ، وذلك في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى من هذه السنة ، وصارت الدولة والمشورة متناهية إلى الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي ، فاتفقت الآراء ، واجتمعت الكلمة ، وانعقدت البيعة للملك المنصور صلاح الدين محمد ابن المظفر حاجي ، وخطب الخطباء ، وضربت السكة ، وسارت البريدية للبيعة باسمه الشريف ، هذا وهو ابن ثنتي عشرة ، وقيل : أربع عشرة ، ومن الناس من قال : ست عشرة . ورسم بعود الأمور إلى ما كانت عليه في أيام والده الناصر محمد بن قلاوون ، وأن يبطل جميع ما كان أخذه الملك الناصر حسن ، وأن تعاد المرتبات والجوامك التي كان قطعها ، وأمر بإحضار طاز ، وطشتمر القاسمي من سجن إسكندرية إلى بين يديه ليكونا أتابكا ، وجاء الخبر إلى دمشق صحبة الأمير سيف الدين بزلار شاد الشربخاناه أحد أمراء الطبلخاناه بمصر صبيحة يوم الأربعاء سادس عشر الشهر ، فضربت البشائر بالقلعة ، وطبلخاناه الأمراء على أبوابهم ، وزين البلد بكماله ، وأخذت البيعة له صبيحة يومئذ بدار السعادة ، وخلع على نائب السلطنة تشريف هائل ، وفرح أكثر الأمراء والجند والعامة ، ولله الأمر وله الحكم ، قال تعالى : قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء [ آل عمران : 26 ] الآية .

ووجد على حجر بالحميرية فقرئت للمأمون فإذا مكتوب :


ما اختلف الليل والنهار ولا دارت نجوم السماء في الفلك     إلا لنقل النعيم من ملك
قد زال سلطانه إلى ملك [ ص: 626 ]     وملك ذي العرش دائم أبدا
ليس بفان ولا بمشترك

وروي عن سليمان بن عبد الملك بن مروان أنه خرج يوما لصلاة الجمعة ، وكان سوي الخلق حسنه ، وقد لبس حلة خضراء ، وهو شاب ممتلئ شبابا ، وينظر في أعطافه ولباسه فأعجبه ذلك من نفسه ، فلما بلغ إلى صرحة الدار تلقته جنية في صورة جارية من حظاياه ، فأنشدته :


أنت نعم المتاع لو كنت تبقى     غير أن لا حياة للإنسان
ليس فيما علمت فيك عي     ب يذكر غير أنك فاني

فصعد المنبر الذي في جامع دمشق ، وخطب الناس ، وكان جهوري الصوت ، يسمع أهل الجامع وهو قائم على المنبر ، فضعف صوته قليلا قليلا حتى لم يسمعه أهل المقصورة ، فلما فرغ من الصلاة حمل إلى منزله ، فاستحضر تلك الجارية التي تبدت تلك الجنية على صورتها ، وقال : كيف أنشدتيني تينك البيتين ؟ فقالت : ما أنشدتك شيئا ، فقال : الله أكبر ، نعيت والله إلي نفسي ، فأوصى أن يكون الخليفة من بعده ابن عمه عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله .

وقدم نائب طرابلس المعزول عليلا ، والأمير سيف الدين أسندمر الذي كان نائب دمشق ، وكانا مقيمين بطرابلس جميعا - في صبيحة يوم السبت السادس والعشرين منه ، فدخلا دار السعادة ، فلم يحتفل بهما نائب السلطنة .

[ ص: 627 ] وتكامل في هذا الشهر تجديد الرواق غربي باب الناطفانيين إصلاحا لدرابزيناته ، وتبييضا لجدرانه ومحراب فيه ، وجعل له شبابيك في الدرابزينات ، ووقف فيه قراءة قرآن بعد المغرب ، وذكروا أن شخصا رأى مناما فقصه على نائب السلطنة فأمر بإصلاحه . وفيه نهض بناء المدرسة التي إلى جانب هذا المكان من الشباك ، وقد كان أسسها أولا نجم الدين غلام ابن هلال ، فلما صودر أخذت منه ، وجعلت مضافة إلى السلطان ، فبنوا فوق الأساسات ، وجعلوا لها خمسة شبابيك من شرقها ، وبابا قبليا ، ومحرابا ، وبركة ، وعراقية ، وجعلوا حائطها بالحجارة البيض والسود ، وكملوا عاليها بالآجر ، وجاءت في غاية الحسن ، وقد كان السلطان الناصر حسن قد رسم بأن تجعل مكتبا للأيتام ، فلم يتم أمرها حتى قتل ، كما ذكرنا .

واشتهر في هذا الشهر أن بقرة كانت تجيء من ناحية باب الجابية تقصد جراء لكلبة ، قد ماتت أمهم ، وهي في ناحية كنيسة مريم في خرابة ، فتجيء إليهم فتنسطح على شقها فترضع أولئك الجراء منها ، تكرر هذا منها مرارا ، وأخبرني المحدث المفيد التقي نور الدين أحمد بن المقصوص بمشاهدته ذلك .

وفي العشر الأوسط من جمادى الآخرة نادى مناد من جهة نائب السلطنة - حرسه الله تعالى - في البلد أن النساء يمشين في تستر ، ويلبسن أزرهن إلى أسفل من سائر ثيابهن ، ولا يظهرن زينة ولا يدا ، فامتثلن ذلك ، ولله الحمد [ ص: 628 ] والمنة . وقدم أمير العرب حيار بن مهنا في أبهة هائلة ، وتلقاه نائب السلطنة إلى أثناء الطريق ، وهو قاصد إلى الأبواب الشريفة .

وفي أواخر رجب قدم الأمير سيف الدين تمر المهمندار من نيابة غزة حاجب الحجاب بدمشق ، وعلى مقدمة رأس الميمنة ، وأطلق نائب السلطنة مكوسات كثيرة ، وأبطل ما كان يؤخذ من المحتسبين زيادة على نصف درهم ، وما يؤخذ من أجرة عدة الموتى كل ميت بثلاثة ونصف ، وجعل العدة التي في القيسارية للحاجة مسبلة لا تنحجر على أحد في تغسيل ميت ، وهذا حسن جدا ، وكذلك منع التحجر في بيع الثلج المختص به ، وبيع مثل بقية الناس من غير طرخان فرخص على الناس في هذه السنة جدا ، حتى قيل : إنه بيع القنطار بعشرة وما حولها .

وفي شهر شعبان قدم الأمير حيار بن مهنا من الديار المصرية فنزل القصر الأبلق ، وتلقاه نائب السلطنة ، وأكرم كل منهما الآخر ، ثم ترحل بعد أيام قلائل ، وقدم الأمراء الذين كانوا بحبس الإسكندرية في صبيحة يوم الجمعة سابعه ، وفيهم الأمير شهاب الدين بن صبح ، وسيف الدين طيدمر الحاجب ، وطنيرق مقدم ألف ، وعمر شاه ، هذا ونائب السلطنة الأمير سيف الدين بيدمر - أعزه [ ص: 629 ] الله - يبطل المكوسات شيئا بعد شيء مما فيه مضرة بالمسلمين ، وبلغني عنه أن من عزمه أن يبطل جميع ذلك إن أمكنه الله من ذلك ، آمين ، انتهى .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث