الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

خروج ملك الأمراء بيدمر من دمشق إلى غزة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

خروج ملك الأمراء بيدمر من دمشق إلى غزة

صلى الجمعة بالمقصورة الثاني عشر من رمضان هو ونائب السلطنة بأطرابلس ، ثم اجتمعا بالخطبة في مقصورة الخطابة ، ثم راح لدار السعادة ، ثم خرج طلبه في تجمل هائل على ما ذكر بعد العصر ، وخرج معهم فاستعرضهم ، ثم عاد إلى دار السعادة ، فبات إلى أن صلى الصبح ، ثم ركب خلف الجيش هو ونائب طرابلس ، وخرج عامة من بقي من الجيش من الأمراء وبقية الحلقة في أثناء الليل ، ومن جملة الذاهبين في صحبته الولد عبد الرحمن أحد رجال الحلقة ، وسلمهم الله ، وكذلك خرج القضاة ، وكذا كاتب السر ، ووكيل بيت المال ، وغيرهم من كتاب الدست ، وأصبح الناس يوم السبت وليس أحد من الجند بدمشق ، سوى نائب الغيبة الأمير سيف الدين بن حمزة التركماني ، وقريبه والي البر ، ومتولي البلد الأمير بدر الدين صدقة بن أوحد ، ومحتسب البلد ، ونواب القضاة ، والقلعة على حالها ، والمجانيق منصوبة كما هي . ولما كان صبح يوم الأحد رجع القضاة بكرة ، ثم رجع ملك الأمراء في أثناء النهار هو وتومان [ ص: 635 ] تمر ، وهم كلهم في لبس وأسلحة تامة ، وكل منهما خائف من الآخر أن يمسكه ، فدخل هذا دار السعادة ، وراح الآخر إلى القصر الأبلق ، ولما كان بعد العصر قدم منجك وأسندمر نائبا السلطنة بدمشق - كانا - وهما مغلوبان قد كسرهما من كان قدم على منجك من العساكر التي جهزها بيدمر إلى منجك قوة له على المصريين ، وكان ذلك على يدي الأمير سيف الدين تمر حاجب الحجاب ، ويعرف بالمهمندار ، قال لمنجك : كلنا في خدمة من بمصر ، ونحن لا نطيعك على نصرة بيدمر ، فتقاولا ثم تقاتلا ، فهزم منجك ، وذهب تمر ومنجك ومن كان معهما كابن صبح ، وطيدمر إلى المصريين . ولما أصبح الصباح من يوم الاثنين خامس عشر لم يوجد لتومان تمر ، وطنيرق ، ولا أحد من أمراء دمشق عين ولا أثر ، بل قد ذهبوا كلهم إلى طاعة صاحب مصر ، ولم يبق بدمشق من أمرائها سوى ابن قراسنقر من الأمراء المقدمين ، وسوى بيدمر ، ومنجك ، وأسندمر ، والقلعة قد هيئت ، والمجانيق منصوبة على حالها ، والناس في خوف شديد من دخول بيدمر إلى القلعة ، فيحصل بعد ذلك عند قدوم الجيش المصري حصار ، وتعب ، ومشقة على الناس ، والله يحسن العاقبة .

ولما كان في أثناء نهار الاثنين خامس عشره دقت البشائر في القلعة ، وأظهر أن يلبغا الخاصكي قد نفاه السلطان إلى الشام ، ثم ضربت وقت المغرب ، ثم بعد العشاء في صبيحة يوم الثلاثاء أيضا ، وفي كل ذلك يركب الأمراء الثلاثةمنجك ، وبيدمر ، وأسندمر ملبسين ، ويخرجون إلى خارج البلد ثم يعودون ، والناس فيما يقال ما بين مصدق ومكذب ، ولكن قد شرع إلى تستير القلعة [ ص: 636 ] وتهيؤ الحصار ، فإنا لله وإنا إليه راجعون . ثم تبين أن هذه البشائر لا حقيقة لها ، فاهتم في عمل ستائر القلعة ، وحمل الزلط ، والأحجار ، والأغنام والحواصل إليها ، وقد وردت الأخبار بأن الركاب الشريف السلطاني وصحبته يلبغا في جميع جيش مصر قد عدا غزة ، فعند ذلك خرج الصاحب ، وكاتب السر ، والقاضي الشافعي ، وناظر الجيش ، ونقباؤه ، ومتولي البلد ، وتوجهوا تلقاء حماة لتلقي الأمير علي الذي قد جاءه تقليد دمشق ، وبقي البلد شاغرا عن حاكم فيها سوى المحتسب ، وبعض القضاة ، والناس كغنم لا راعي لهم ، ومع هذا الأحوال صالحة ، والأمور ساكنة ، لا يعدو أحد على أحد فيما بلغنا هذا ، وبيدمر ومنجك وأسندمر في تحصين القلعة ، وتحصيل العدد والأقوات فيها ، والله غالب على أمره [ يوسف : 21 ] أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة [ النساء : 78 ] ، والستائر تعمل فوق الأبرجة ، وصلى الأمير بيدمر صلاة الجمعة تاسع عشر الشهر في الشباك الكمالي في مشهد عثمان ، وصلى عنده منجك إلى جانبه داخل موضع القضاة ، وليس هناك أحد من الحجبة ، ولا من النقباء ، وليس في البلد أحد من المباشرين بالكلية ، ولا من الجند إلا القليل ، وكلهم قد سافروا إلى ناحية السلطان ، والمباشرون إلى ناحية حماة لتلقي الأمير علي نائب الشام المحروس ، ثم عاد إلى القلعة ، ولم يحضر الصلاة أسندمر; لأنه قيل : كان منقطعا; قد صلى في القلعة .

وفي يوم السبت العشرين من الشهر وصل البريد من جهة السلطان من أبناء [ ص: 637 ] الرسول إلى نائب دمشق يستعلم طاعته أو مخالفته ، وتعتب عليه فيما اعتمده من استحواذه على القلعة وتحصينها ، وادخار الآلات والأطعمات فيها ، ونصب المجانيق والستائر عليها ، وكيف تصرف في الأموال السلطانية تصرف الملاك والملوك ، فتنصل ملك الأمراء من ذلك ، وذكر أنه إنما أرصد في القلعة جنادتها ، وأنه لم يدخلها ، وأن أبوابها مفتوحة ، وهي قلعة السلطان ، وإنما له غريم بينه وبينه الشرع والقضاة الأربعة - يعني بذلك يلبغا - وكتب بالجواب وأرسله صحبة البريدي ، وهو كيكلدي مملوك يقطية الدوادار ، وأرسل في صحبته الأمير صارم الدين أحد أمراء العشرات من يومه ذلك .

وفي يوم الاثنين الثاني والعشرين من رمضان تصبح أبواب البلد مغلقة إلى قريب الظهر ، وليس ثم مفتوح سوى بابي النصر والفرج ، والناس في حصر شديد وانزعاج ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولكن قد اقترب وصول السلطان والعساكر المنصورة . وفي صبيحة الأربعاء أصبح الحال كما كان وأزيد ، ونزل الأمير سيف الدين يلبغا الخاصكي بقبة يلبغا ، وامتد طلبه من سيف داريا إلى القبة المذكورة في أبهة عظيمة ، وهيئة حسنة ، وتأخر الركاب الشريف بتأخره عن الصنمين بعد ، ودخل بيدمر في هذا اليوم إلى القلعة ، وتحصن بها ، وفي يوم الخميس الخامس والعشرين منه استمرت الأبواب كلها مغلقة سوى بابي النصر والفرج ، وضاق النطاق ، وانحصر الناس جدا ، وقطع المصريون نهر باناس [ ص: 638 ] والفرع الداخل إليها ، وإلى دار السعادة من القنوات ، واحتاجوا لذلك أن يقطعوا القنوات ليسدوا الفرع المذكور ، فانزعج أهل البلد لذلك ، وملئوا ما في بيوتهم من برك المدارس وغير ذلك ، وبيعت القربة بدرهم ، والحق بنصف ، ثم أرسلت القنوات وقت العصر من يومئذ - ولله الحمد والمنة - فانشرح الناس لذلك ، وأصبح الصباح يوم الجمعة ، والأبواب مغلقة ، ولم يفتح بابا النصر والفرج إلا بعد طلوع الشمس بزمان ، فأرسل يلبغا من جهته أربعة أمراء ، وهم الأمير زين الدين زبالة الذي كان نائب القلعة ، والملك صلاح الدين بن الكامل ، والشيخ علي الذي كان نائب الرحبة من جهة بيدمر ، وأمير آخر ، فدخلوا البلد ، وكسروا أقفال أبواب البلد وفتحوا الأبواب ، فلما رأى بيدمر ذلك أرسل مفاتيح البلد إليهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث