الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن

[ ص: 85 ] فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون

تقدم نظير قوله فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن في سورة طه . وقوله " ولتعلم أن وعد الله حق " فإنما تأكيد حرف كي بمرادفه وهو لام التعليل للتنصيص من أول وهلة على أنه معطوف على الفعل المثبت لا على الفعل المنفي .

وضمير " أكثرهم لا يعلمون " عائد إلى الناس المفهوم من المقام أو إلى رعية فرعون ، ومن الناس بنو إسرائيل .

والاستدراك ناشئ عن نصب الدليل لها على أن وعد الله حق ، أي فعلمت ذلك وحدها وأكثر القوم لا يعلمون ذلك ؛ لأنهم بين مشركين وبين مؤمنين ، تقادم العهد على إيمانهم ، وخلت أقوامهم من علماء يلقنونهم معاني الدين ، فأصبح إيمانهم قريبا من الكفر .

وموضع العبرة من هذه القصة أنها تتضمن أمورا ذات شأن فيها ذكرى للمؤمنين وموعظة للمشركين .

فأول ذلك وأعظمه : إظهار أن ما علمه الله وقدره هو كائن لا محالة كما دل عليه قوله ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض إلى قوله " يحذرون " وأن الحذر لا ينجي من القدر .

وثانيه : إظهار أن العلو الحق لله تعالى وللمؤمنين ، وأن علو فرعون لم يغن عنه شيئا في دفع عواقب الجبروت والفساد ، ليكون ذلك عبرة لجبابرة المشركين من أهل مكة .

وثالثه : أن تمهيد القصة بعلو فرعون وفساد أعماله مشير إلى أن ذلك هو سبب الانتقام منه ، والأخذ بناصر المستضعفين ليحذر الجبابرة سوء عاقبة ظلمهم ، وليرجو الصابرون على الظلم أن تكون العاقبة لهم .

ورابعه : الإشارة إلى حكمة وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم في [ ص: 86 ] جانب بني إسرائيل وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم في جانب فرعون إذ كانوا فرحين باستخدام بني إسرائيل وتدبير قطع نسلهم .

وخامسه : أن إصابة قوم فرعون بغتة من قبل من أملوا منه النفع أشد عبرة للمعتبر وأوقع حسرة على المستبصر ، وأدل على أن انتقام الله يكون أعظم من انتقام العدو كما قال فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا مع قوله عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا .

وسادسه : أنه لا يجوز بحكم التعقل أن تستأصل أمة كاملة لتوقع مفسد فيها لعدم التوازن بين المفسدتين ، ولأن الإحاطة بأفراد أمة كاملة متعذرة فلا يكون المتوقع فساده إلا في الجانب المغفول عنه من الأفراد فتحصل مفسدتان هما أخذ البريء وانفلات المجرم .

وسابعه : تعليم أن الله بالغ أمره بتهيئة الأسباب المفضية إليه ، ولو شاء الله لأهلك فرعون ومن معه بحادث سماوي ولما قدر لإهلاكهم هذه الصورة المرتبة ، ولأنجى موسى وبني إسرائيل إنجاء أسرع ولكنه أراد أن يحصل ذلك بمشاهدة تنقلات الأحوال ابتداء من إلقاء موسى في اليم إلى أن رده إلى أمه فتكون في ذلك عبرة للمشركين الذين قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وليتوسموا من بوارق ظهور النبيء محمد صلى الله عليه وسلم وانتقال أحوال دعوته في مدارج القوة أن ما وعدهم به واقع بأخرة .

وثامنه : العبرة بأن وجود الصالحين من بين المفسدين يخفف من لأواء فساد المفسدين ، فإن وجود امرأة فرعون كان سببا في صد فرعون عن قتل الطفل مع أنه تحقق أنه إسرائيلي ، فقالت امرأته : لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا كما قدمنا تفسيره .

وتاسعه : ما في قوله " ولتعلم أن وعد الله حق " من الإيماء إلى تذكير المؤمنين بأن نصرهم حاصل بعد حين ، ووعيد المشركين بأن وعيدهم لا مفر لهم منه .

وعاشره : ما في قوله " ولكن أكثرهم لا يعلمون " من الإشارة إلى أن المرء يؤتى من جهله النظر في أدلة العقل .

[ ص: 87 ] ولما في هذه القصة من العبر اكتفى مصعب بن الزبير بطالعها عن الخطبة التي حقه أن يخطب بها في الناس حين حلوله بالعراق من قبل أخيه عبد الله بن الزبير مكتفيا بالإشارة مع التلاوة فقال طسم تلك آيات الكتاب المبين نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون إن فرعون علا في الأرض وأشار إلى جهة الشام يريد عبد الملك بن مروان ، وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض وأشار بيده نحو الحجاز ، يعني أخاه عبد الله بن الزبير وأنصاره ، ( ونجعلهم أيمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما ) وأشار إلى العراق يعني الحجاج منهم ما كانوا يحذرون .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث