الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الضب 3588 - ( عن ابن عباس عن خالد بن الوليد أنه أخبره أنه { دخل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ميمونة وهي خالته وخالة ابن عباس ، فوجد عندها ضبا محنوذا قدمت به أختها حفيدة بنت الحارث من نجد ، فقدمت الضب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهوى بيده إلى [ ص: 134 ] الضب ، فقالت امرأة من النسوة الحضور : أخبرن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما قدمتن له ، قلن هو الضب يا رسول الله ، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده ، فقال خالد بن الوليد : أحرام الضب يا رسول الله ؟ قال : لا ، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ، قال خالد : فاجتررته فأكلته ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر فلم ينهني } . رواه الجماعة إلا الترمذي ) .

3589 - ( وعن ابن عمر : { أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الضب فقال : لا آكله ولا أحرمه } متفق عليه .

وفي رواية عنه : { أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان معه ناس فيهم سعد ، فأتوا بلحم ضب ، فنادت امرأة من نسائه : إنه لحم ضب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : كلوا فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي } رواه أحمد ومسلم ) .

3590 - ( وعن جابر : { أن عمر بن الخطاب قال في الضب : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يحرمه } وإن عمر قال : إن الله لينفع به غير واحد ، وإنما طعام عامة الرعاء منه ، ولو كان عندي طعمته . رواه مسلم وابن ماجه ) .

3591 - ( وعن جابر قال { : أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضب ، فأبى أن يأكل منه وقال : لا أدري لعله من القرون التي مسخت } ) .

3592 - ( وعن أبي سعيد : { أن أعرابيا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إني في غائط مضبة وإنه عامة طعام أهلي ، قال : فلم يجبه ، فقلنا : عاوده ، فعاوده فلم يجبه ثلاثا ، ثم ناداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الثالثة ، فقال : يا أعرابي : إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض ، ولا أدري لعل هذا منها فلم آكلها ، ولا أنهى عنها } رواهما أحمد ومسلم . وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أن الممسوخ لا نسل له ، والظاهر أنه لم يعلم ذلك إلا بوحي ، وأن تردده في الضب كان قبل الوحي بذاك ، والحديث يرويه ابن مسعود : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرت عنده القردة ، قال مسعر : وأراه قال والخنازير مما مسخ ، فقال : إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا ، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك .

وفي رواية : { أن رجلا قال : يا رسول الله القردة [ ص: 135 ] والخنازير هي مما مسخ الله ؟ فقال النبي : - صلى الله عليه وسلم - إن الله لم يهلك أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا } روى ذلك أحمد ومسلم ) .

التالي السابق


قوله : ( فوجد عندها ضبا ) هو دويبة تشبه الجرذون ولكنه أكبر منه قليلا ، ويقال الأنثى ضبة . قال ابن خالويه : إنه يعيش سبعمائة سنة وإنه لا يشرب الماء ويبول في كل أربعين يوما قطرة ، ولا يسقط له سن ويقال : بل أسنانه قطعة واحدة .

قوله : ( محنوذا ) بحاء مهملة ونون مضمومة وآخره ذال معجمة : أي مشويا بالحجارة المحماة ، ووقع في رواية " بضب مشوي " . قوله : ( أختها حفيدة ) بمهملة مضمومة بعدها فاء مصغرة قوله : ( لم يكن بأرض قومي ) قال ابن العربي : اعترض بعض الناس على هذه اللفظة وقال : إن الضباب موجودة بأرض الحجاز ، فإن كان أراد تكذيب الخبر فقد كذب هو فإنه ليس بأرض الحجاز منها شيء ، وربما أنها حدثت بعد عصر النبوة ، وكذا أنكر ذلك ابن عبد البر ومن تبعه . قال الحافظ : ولا يحتاج إلى شيء من هذا ، بل المراد بقوله : - صلى الله عليه وسلم - " بأرض قومي قريش فقط فيختص النفيبمكة وما حولها ، ولا يمنع ذلك أن تكون موجودة بسائر بلاد الحجاز . قوله : ( فأجدني أعافه ) أي أكره أكله ، يقال : عفت الشيء أعافه . قوله : ( فاجتررته ) بجيم وراءين مهملتين هذا هو المعروف في كتب الحديث ، وضبطه بعض شراح المهذب بزاي قبل الراء وقد غلطه النووي .

قوله : ( لا آكله ولا أحرمه ) فيه جواز أكل الضب . قال النووي : وأجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته ، وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا هو حرام وما أظنه يصح عن أحد ، فإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله ا هـ . قال الحافظ : قد نقله ابن المنذر عن علي رضي الله عنه فأين يكون الإجماع مع مخالفته . ونقل الترمذي كراهته عن بعض أهل العلم .

وقال الطحاوي في معاني الآثار : كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن ، وقد جاء عن { النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن أكل لحم الضب } أخرجه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن شبل .

قال الحافظ في الفتح : وإسناده حسن فإنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي راشد الحبراني عن عبد الرحمن بن شبل .

وحديث ابن عياش عن الشاميين قوي ، وهؤلاء شاميون ثقات ، ولا يغتر بقول الخطابي : ليس إسناده بذاك . وقول ابن حزم : فيه ضعفاء ومجهولون . وقول البيهقي : تفرد به إسماعيل بن عياش وليس بحجة . وقول ابن الجوزي لا يصح ، ففي كل ذلك تساهل لا يخفى ، فإن رواية إسماعيل عن الشاميين قوية عند البخاري ، وقد صحح الترمذي بعضها .

وأخرج أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والطحاوي وسنده على شرط [ ص: 136 ] الشيخين من حديث عبد الرحمن ابن حسنة " نزلنا أرضا كثيرة الضباب " الحديث ، وفيه " أنهم طبخوا منها ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب ، فأخشى أن تكون هذه ، فأكفئوها " ومثله حديث أبي سعيد المذكور في الباب . قال في الفتح : والأحاديث وإن دلت على الحل تصريحا وتلويحا نصا وتقريرا فالجمع بينها وبين الحديث المذكور حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ . وحينئذ أمر بإكفاء القدور ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه . وحمل الإذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه ، وأكل على مائدته بإذنه فدل على الإباحة . وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره ، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره . وقد استدل على الكراهة بما أخرجه الطحاوي عن عائشة أنه { أهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - ضب فلم يأكله فقام عليهم سائل ، فأرادت عائشة أن تعطيه ، فقال لها : أتعطينه ما لا تأكلين ؟ } قال محمد بن الحسن : دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره .

وتعقبه الطحاوي باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى : { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } ثم ساق الأحاديث الدالة على كراهة التصدق بحشف التمر ، وكحديث البراء { كانوا يحبون الصدقة بأردإ تمرهم ، فنزلت { أنفقوا من طيبات ما كسبتم } } قال : فلهذا المعنى كره لعائشة أن تصدق بالضب لا لكونه حراما . وهذا يدل على أن الطحاوي فهم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم . والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه . وجنح بعضهم إلى التحريم . وقال : اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم ، ودعوى التعذر ممنوعة بما تقدم قوله : ( في غائط مضبة ) قال النووي : فيه لغتان مشهورتان : إحداهما فتح الميم والضاد ، والثانية ضم الميم وكسر الضاد ، والأول أشهر وأفصح ، والمراد ذات ضباب كثيرة ، والغائط : الأرض المطينة . قوله : ( يدبون ) بكسر الدال .

قوله : ( ولا أدري لعل هذا منها ) قال القرطبي : إنما كان ذلك ظنا منه قبل أن يوحى إليه " إن الله لم يجعل لمسخ نسلا " فلما أوحي إليه بذلك زال التظنن وعلم أن الضب ليس مما مسخ كما في الحديث المذكور في الباب . ومن العجيب أن ابن العربي قال : إن قولهم : الممسوخ لا نسل له ، دعوى فإنه أمر لا يعرف بالعقل وإنما طريقه النقل وليس فيه أمر يعول عليه ، وكأنه لم يستحضره من صحيح مسلم ، ثم قال : وعلى تقدير كون الضب ممسوخا فذلك لا يقتضي تحريم أكله ; لأن كونه آدميا قد زال حكمه ولم يبق له أثر أصلا ، وإنما كره النبي - صلى الله عليه وسلم - الأكل منه لما وقع عليه من سخط الله كما كره الشرب من مياه ثمود ا هـ .

ولا منافاة بين كونه - صلى الله عليه وسلم - عاف الضب ، وبين ما ثبت أنه كان لا يعيب الطعام ; لأن عدم العيب إنما هو فيما صنعه الآدمي لئلا ينكسر خاطره [ ص: 137 ] وينسب إلى التقصير فيه . وأما الذي خلق كذلك فليس نفور الطبع منه ممتنعا . .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث