الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما يكره من بيع الطعام إلى أجل

1342 [ ص: 7 ] ( 20 ) باب ما يكره من بيع الطعام إلى أجل .

1303 - مالك ، عن أبي الزناد ، أنه سمع سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ينهيان أن يبيع الرجل حنطة بذهب إلى أجل . ثم يشتري بالذهب تمرا ، قبل أن يقبض الذهب .

1304 - مالك ، عن كثير بن فرقد ، أنه سأل أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم : عن الرجل يبيع الطعام من الرجل بذهب إلى أجل ، ثم يشتري بالذهب تمرا قبل أن يقبض الذهب ؟ فكره ذلك ، ونهى عنه .

1305 - مالك ، عن ابن شهاب ، بمثل ذلك .

[ ص: 8 ] 29001 - قال مالك : وإنما نهى سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وابن شهاب ، عن أن لا يبيع الرجل حنطة بذهب ، ثم يشتري الرجل بالذهب تمرا قبل أن يقبض الذهب من بيعه الذي اشترى منه الحنطة . فأما أن يشتري بالذهب التي باع بها الحنطة ، إلى أجل ، تمرا من غير بائعه الذي باع منه الحنطة قبل أن يقبض الذهب ويحيل الذي اشترى منه التمر على غريمه الذي باع منه الحنطة بالذهب التي له عليه في ثمر التمر ، فلا بأس بذلك .

قال مالك : وقد سألت عن ذلك غير واحد من أهل العلم ، فلم يروا به بأسا .

التالي السابق


29002 - قال أبو عمر : ما ذكره مالك ، ( وفسر به ) قول سعيد ، وسليمان ، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وابن شهاب ، فهو كما ذكر لا خلاف علمته بين العلماء في ذلك إذا كان البائع للطعام قد اشترى طعاما من غير الذي باعه منه ، ثم أحاله بثمن ما اشتراه من ثمنه الذي باعه منه طعامه ؛ لأنها حوالة لا يدخلها شيء من بيع طعام بطعام .

29003 - وإنما اختلف العلماء فيما كرهه سعيد ، وسليمان وأبو بكر ، وابن شهاب :

29004 - فقالت طائفة من العلماء بقولهم : إنه لا يجوز لبائع الطعام أن يأخذ [ ص: 9 ] من مبتاعه منه في ثمنه طعاما إذا حل الأجل ؛ لأن الطعام بالطعام ، لا يجوز فيه النسيء ، وجعلوا ذكر الذهب لغوا ؛ لأن بائع الحنطة بالذهب إذا أخذ في الذهب تمرا لم يحصل بيده الإطعام بدلا من طعام باعه إلى أجل .

29005 - قال عيسى بن دينار : سألت ابن القاسم عن رجل باع طعاما بمائة دينار إلى شهر ، فلما حل الأجل اشترى بائع الطعام من رجل آخر طعاما ، فأحاله عليه بالثمن .

قال : لا بأس به .

29006 - قال مالك : وإنما نهى سعيد بن المسيب ، وسليمان بن يسار ، وأبو بكر بن حزم ، وابن شهاب عن أن يبيع الرجل حنطة بذهب ، فذكر مسألة " الموطأ " إلى آخر قوله فيها .

29007 - قال عيسى : قلت لابن القاسم : فلو أحال الذي عليه المائة الدينار بائع الطعام على غريم له عليه مائة دينار ، فيجوز لبائع الطعام أن يأخذ من الذي أحال عليه بالمائة طعاما .

قال : لا يجوز ذلك .

29008 - قال أبو عمر : لا فرق بين ذلك في قياس ، ولا أثر ، لأنه طعام مأخوذ من ثمن طعام من غير المشترى له .

29009 - قال أبو عمر : وقد أجاز جماعة من أهل العلم لمن باع طعاما [ ص: 10 ] إلى أجل ، فحل الأجل أن يأخذ بثمن طعامه ما شاء طعاما ، وغيره .

29010 - وكذلك اختلفوا في الرجل يبيع سلعته بدراهم إلى أجل ، فحل الأجل ، هل له أن يأخذ فيها ذهبا أم لا ؟ 29011 - فمذهب مالك ، وأصحابه أن ذلك جائز في الدراهم من الدنانير والدنانير من الدراهم يأخذها ، لما اتفقا عليه من الصرف . في حين التراضي قبل الافتراق .

29012 - وهو قول أبي حنيفة ، وأصحابه ، إذا تقابضا في المجلس .

29013 - وقال عثمان البتي : يأخذ الدنانير من الدراهم ، والدراهم من الدنانير بسعر يومه ، فإن افترقا لم يجز عند جميعهم ، وكان على المبتاع الدراهم التي ابتاع بها السلعة حتى يتفقا ، ويتقابضا قبل الافتراق .

29014 - ولم يجز مالك ، ولا أبو حنيفة أن يأخذ من ثمن الطعام المبيع إلى أجل طعاما ، وجعلوه طعاما بطعام ليس يدا بيد .

29015 - قال مالك فيمن له على رجل دراهم حالة فإنه يأخذ دنانير عنها إن شاء ، وإن كانت إلى أجل لم يجز أن يبيعها بدنانير ، ويأخذ في ذلك عوضا إن شاء .

[ ص: 11 ] 29016 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : جائز أن يأخذ الدنانير بالدراهم ، والدراهم من الدنانير ، حل الأجل أو لم يحل إذا تقابضا في المجلس .

29017 - وأما الشافعي فقوله في أخذ الدراهم من الدنانير ، وأخذ الدنانير من الدراهم .

29018 - وهو قول مالك ، وأبي حنيفة .

29019 - وقال في الطعام من ثمن الطعام بخلافهما لا فرق عنده بأخذ الدنانير من دراهم ، أو طعام من ثمن طعام مخالف لاسمه .

29020 - قال : ومن باع طعاما إلى أجل فحل الأجل فلا بأس أن يأخذ بالثمن طعاما .

29021 - وهو قول الثوري ، والأوزاعي ، والحسن البصري ، وابن سيرين ، وجابر بن زيد .

29022 - وروى الثوري عن حماد فيمن باع طعاما إلى أجل ثم حل الأجل فلا بأس أن يشتري منه بدراهمه طعاما .

[ ص: 12 ] 29023 - وهو قول ابن شبرمة .

29024 - وكرهه عطاء .

29025 - وقال الثوري : لا بأس به ، وقال مرة أخرى : أحب إلي ألا يأخذ شيئا مما يكال ، أو يشرب .

29026 - وقال ابن شبرمة : لا يجوز أن يأخذ عن دراهم دنانير ولا عن دنانير دراهم ، وإنما يأخذ ما أقرض وعين ما باع .

29027 - قال أبو عمر : قول ابن شبرمة صده قول مالك في الوجهين ، لأنه أجازه في الطعام ، وكرهه في الدراهم .

29028 - وقال الحسن بن حي : أكره أن يأخذ في ثمن ما يكال شيئا يكال ، ويأخذ ما لا يكال ، وكذلك إذا باع مالا يوزن أكره أن يأخذ شيئا يوزن ، ويأخذ ما لا يوزن ، لا يأخذ من الحنطة تمرا ، ولا من السمن زيتا .

29029 - وهو قول ابن شهاب .

29030 - وقال الليث بن سعد : إذا كان له عليه دين مؤجل دونهم ، ولكن عليه دنانير لم يجز أن يبيع أحدهما بالآخر ، لأنه صرف إلى أجل ، ولو كان الأجل حل ، وهذا كقول مالك سواء .

29031 - وروى الشيباني عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كره اقتضاء [ ص: 13 ] الذهب من الورق ، والورق من الذهب .

29032 - وعن ابن مسعود مثله .

29033 - وعن ابن عمر أنه لا بأس به .

29034 - وذكر عبد الرزاق ، عن ابن عيينة قال : قلت لعمرو بن دينار : أرأيت إذا بعت طعاما بذهب فحلت الذهب ، فجئت أطلبه فلم أجد عنده ذهبا ، فقال : خذ مني طعاما ، فقال : كره طاوس أن يأخذ منه طعاما .

29035 - وقال أبو الشعثاء : إذا حل دينك فخذ ما شئت .

29036 - قال : وأخبرنا معمر عن أيوب ، عن ابن سيرين ، قال : إذا بعت شيئا ، طعاما ، أو غيره بدين فحل الأجل فخذ ما شئت من ذلك النوع أو غيره .

29037 - قال : وأخبرنا الثوري عن حماد ، وابن سيرين ، عن رجل باع حنطة بدين إلى أجل قال : يأخذ طعاما ، وغير ذلك إذا حل .

29038 - قال : وأخبرنا معمر عن تميم بن خويص أنه أخبره عن أبي الشعثاء جابر بن يزيد قال : إذا بعت بدنانير فحل الأجل فخذ بالدنانير ما شئت .

[ ص: 14 ] 29039 - وأخبرنا معمر عن الزهري قال : إذا بعت شيئا مما يكال أو يوزن بدينار ، فلا تأخذ شيئا مما يكال أو يوزن إلا أن يصرفك إلى غير ذلك ، وإن بعت شيئا مما يكال ، فصرفك إلى شيء مما يوزن فخذه ، إلا أن يكون طعاما .

29040 - قال أبو عمر : المكيل كله عنده صنف واحد .

29041 - وهو مذهب أكثر الكوفيين ، فلا يجوز عندهم أن يؤخذ من الصنف الواحد غيره لمن وجب ذلك له من بيع أو سلم .

29042 - ولا أرى أن يأخذ من الصنف بدلا من ثمنه إلا مثل ما أعطى لا زيادة ، كما لا يجوز عند مالك في البر إذا باعه أن يأخذ في ثمنه تمرا أو زبيبا ، ولا أن يأخذ برا إلا مثل كيل البر الذي باعه في صفته وجود به ؛ لأنه بعده حينئذ برضا جر زيادة ، وسنذكر الأصناف عند مالك وغيره في باب بيع الطعام بالطعام ، إن شاء الله تعالى .

29043 - قال أبو عمر : أما من كره أن يأخذ من الدراهم دنانير ، ومن الدنانير دراهم ، فحجته حديث أبي سعيد ، وغيره ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ، ولا تشفوا بعضها على بعض ، ولا تبيعوا منها شيئا [ ص: 15 ] غائبا بناجز " .

29044 - ففي قوله : لا تبيعوا منها غائبا بناجز ما يدل على أنه لا يجوز أن يأخذ من الدراهم دنانير ، لأن الغائب منها ما في الذمة من الدين ، والناجز ما يأخذه .

29045 - وهو مذهب ابن عباس ، وابن مسعود ، ومن قال بقولهما على ما ذكرنا عنهم في هذا الباب .

29046 - وأما من أجاز أخذ الدراهم من الدنانير ، والدنانير من الدراهم حجته حديث سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر ، قال : كنت أبيع الإبل بالبقيع ، أبيع بالدنانير ، وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير ، فسألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " لا بأس بذلك إذا كان بسعر يومكما " .

29047 - حدثني عبد الله بن محمد ، قال : حدثني محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني موسى بن إسماعيل ، ومحمد بن محبوب قالا : حدثني حماد بن سلمة ، عن سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير قال : كنت أبيع الإبل بالبقيع ، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير ، آخذ هذه من هذه ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ؟ فقال : " لا بأس أن تأخذها بسعر يومها " .

[ ص: 16 ] 29048 - قال أبو داود : رواه إسرائيل ، عن سماك ، لم يذكر فيه : بسعر يومهما .

29049 - قال أبو عمر : حديث إسرائيل حدثناه سعيد ، وعبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني جعفر بن محمد بن مثنى الصائغ ، قال : حدثني محمد بن سائق ، قال : حدثني إسرائيل عن سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر ، قال : كنت أبيع الإبل ببقيع الفرقد ، كنت أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد أن يدخل حجرته ، فذكرت ذلك له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أخذت أحدهما بالآخر فلا تفارقه وبينك وبينه بيع " .

29050 - ورواها أبو الأحوص ، عن سماك بنحو رواية إسرائيل .

29051 - فمن أجاز ذلك في الدين الحال والآجل قال : لما لم يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك دل على استواء الحال عنده ، ولو كان بينهما فرق في الشرع لوقفه عليه .

29052 - ومن قال : لا يجوز إلا في الحال دون الآجل .

قال : والآجل : هو الغائب الذي لا ينسب بيعه بناجز ولا بغائب مثله ، [ ص: 17 ] وإنما الحال بالذمة فيه كالعين الظاهرة إذا اجتمعا وتقابضا ولم يفترقا إلا بعد القبض .

29053 - ومن جعل الطعام بالطعام ، كالدنانير بالدراهم في ذلك ، قال : لما أجمعوا أن البر بالبر ربا إلا هاء وهاء ، والذهب بالذهب ربا إلا هاء وهاء ، وثبتت بذلك السنة المجتمع عليها ، ثم وردت السنة في حديث ابن عمر في أن قبض الدنانير من الدراهم جائز لا بأس به ، كانت مفسرة كذلك وكان قبض الطعام من ثمن الطعام كقبض الدنانير من الدراهم ، والدراهم من الدنانير ، لأنه بيع مستأنف لم يمنع الله منه ، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم .

29054 - ومن فرق بين الطعام من الطعام ، وبين الدراهم من الدنانير ترك القياس ولم يعد بالرخصة موضعا .

29055 - وأما ابن شبرمة في تجويزه ذلك في الطعام من الطعام ، وإبايته لذلك في الدنانير من الدراهم ، فلأنه لم يبلغه حديث ابن عمر ، ورأى أن ثمن [ ص: 18 ] الطعام جائز لربه التصرف فيه بما شاء من المبتاع وغيره ، وأنه لا يحل تهمة مسلم ، ولو قضى بالظن عليه أنه أراد طعاما بطعام إلى أجل ، والربا لا يكون إلا لمن قصد إليه وأراده كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إنما الربا على من أراد أن يربي ، وقد تقدم في باب الصرف حكم التصارف في الدينين .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث