الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                              3652 [ ص: 443 ] باب : في الفرع والعتيرة

                                                                                                                              ومثله في : ( النووي) .

                                                                                                                              حديث الباب

                                                                                                                              وهو بصحيح مسلم \ النووي ص 135 ، 136 ج 13 المطبعة المصرية

                                                                                                                              [عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا فرع ولا عتيرة". زاد ابن رافع في روايته: والفرع: أول النتاج. كان ينتج لهم فيذبحونه.]

                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                              (الشرح)

                                                                                                                              ( عن أبي هريرة) رضي الله عنه ؛ ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه) وآله ( وسلم : لا فرع) .

                                                                                                                              قال النووي : قال أهل اللغة وغيرهم : " الفرع " : بفاء ثم راء مفتوحتين ، ثم عين مهملة . ويقال فيه : " الفرعة " بالهاء . قال الشافعي وأصحابه ، وآخرون : هو أول نتاج البهيمة ، كانوا يذبحونه ولا يملكونه ، رجاء البركة في الأم وكثرة نسلها . وهكذا فسره كثيرون من أهل اللغة وغيرهم .

                                                                                                                              وقال كثيرون منهم : هو أول النتاج . كانوا يذبحونه لآلهتهم ، وهي طواغيتهم . وكذا جاء هذا التفسير في صحيح البخاري ، وسنن أبي داود .

                                                                                                                              [ ص: 444 ] وقيل : هو أول النتاج ، لمن بلغت إبله مائة ، يذبحونه .

                                                                                                                              وقال شمر : قال أبو مالك : كان الرجل إذا بلغت إبله مائة ، قدم بكرا فنحره لصنمه . ويسمونه " الفرع" .

                                                                                                                              ( ولا عتيرة) . بفتح العين المهملة ، وكسر التاء ، وسكون الياء بعدها راء . وهي " ذبيحة " كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب . ويسمونها : " الرجبية " أيضا . واتفق العلماء على تفسير العتيرة بهذا .

                                                                                                                              قال النووي : وقد صح الأمر بالعتيرة والفرع : في غير هذا الحديث .

                                                                                                                              وجاءت به أحاديث ؛

                                                                                                                              منها حديث " نبيشة "، قال : "نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقال : إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية ، في رجب. قال : اذبحوا لله في أي شهر كان ، وبروا الله . وأطعموا . قال : إنا كنا نفرع فرعا في الجاهلية . فما تأمرنا ؟ فقال : في كل سائمة : فرع تغذوه [ ص: 445 ] ماشيتك حتى إذا استحمل ذبحته ، فتصدقت بلحمه " . رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة . قال ابن المنذر : هو حديث صحيح . قال أبو قلابة أحد رواة هذا الحديث : " السائمة " : مائة . ورواه البيهقي بإسناده الصحيح : " عن عائشة ، قال : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالفرعة ، من كل خمسين : واحدة " . وفي رواية : " من كل خمسين شاة : شاة " . قال ابن المنذر : حديث "عائشة " صحيح . وفي "سنن أبي داود" ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه ( قال الراوي : أراه عن جده) ؛ قال : سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الفرع ؟ قال : الفرع حق . وأن تتركوه حتى يكون بكرا، أو ابن مخاض ، أو ابن لبون : فتعطيه أرملة ، أو تحمل عليه في سبيل الله : خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره ، وتكفأ إناءك ، وتوله ناقتك " .

                                                                                                                              وروى البيهقي بإسناده : "عن الحارث بن عمر، قال : أتيت النبي [ ص: 446 ] صلى الله عليه وآله وسلم ، بعرفات ( أو قال بمنى) . وسأله رجل عن العتيرة ؟ فقال : من شاء ، عتر . ومن شاء ، لم يعتر . ومن شاء ؛ فرع. ومن شاء ، لم يفرع".

                                                                                                                              "وعن أبي رزين ، قال : يا رسول الله ! إنا كنا نذبح في الجاهلية ذبائح في رجب ، فنأكل منها ونطعم . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا بأس بذلك" .

                                                                                                                              وعن أبي رملة ، عن مخنف بن سليم ؛ قال : كنا وقوفا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعرفات ، فسمعته يقول : يا أيها الناس ! إن على أهل كل بيت ، في كل عام : أضحية ، وعتيرة . هل تدري ما العتيرة ؟ هي التي تسمى : " الرجبية " . رواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وغيرهم . قال الترمذي : حديث حسن . وقال الخطابي : هذا الحديث ضعيف المخرج . لأن "أبا رملة " مجهول .

                                                                                                                              قال النووي : هذا مختصر ما جاء من الأحاديث ، في الفرع والعتيرة .

                                                                                                                              قال : والصحيح عند أصحابنا ، وهو نص الشافعي : استحباب الفرع [ ص: 447 ] والعتيرة . وأجابوا عن حديث : "لا فرع ولا عتيرة " بثلاثة أوجه ؛ أحدها : أن المراد : في الوجوب . أي : لا فرع واجب . ولا عتيرة واجبة .

                                                                                                                              الثاني : أن المراد : نفي ما كانوا يذبحون لأصنامهم .

                                                                                                                              والثالث : أنهما ليسا كالأضحية في الاستحباب ، أو في ثواب إراقة الدم . فأما تفرقة اللحم على المساكين فبر وصدقة . ونص الشافعي : أنها إن تيسرت كل شهر ، كان حسنا .

                                                                                                                              وادعى عياض : أن جماهير العلماء ، على نسخ الأمر بالفرع والعتيرة .

                                                                                                                              والله أعلم . انتهى كلام النووي .

                                                                                                                              قلت : " حديث مخنف " ضعيف ، لا تقوم به الحجة . قال أبو بكر المعافري : هذا الحديث لا يحتج به . والأحاديث المذكورة يدل بعضها : على وجوبهما . وهو حديث نبيشة ، وحديث عائشة ، وحديث عمرو بن شعيب .

                                                                                                                              وبعضها : يدل على مجرد الجواز . وهو حديث الحارث وأبي رزين . فيكون هذان الحديثان ، كالقرينة الصارفة للأحاديث المقتضية للوجوب : إلى الندب . وقد اختلف في الجمع بين هذه الأحاديث والأحاديث القاضية : بالمنع من الفرع؛

                                                                                                                              [ ص: 448 ] فقيل : إنه يجمع بينها ، بحمل هذه الأحاديث على الندب ، وحمل الأحاديث المانعة على عدم الوجوب . ذكر ذلك جماعة ، منهم : الشافعي ، والبيهقي ، وغيرهما . وهذا لا بد منه مع عدم العلم بالتاريخ .

                                                                                                                              لأن المصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع : لا يجوز . كما تقرر في موضعه .

                                                                                                                              وقد ذهب جماعة من أهل العلم : أن هذه الأحاديث منسوخة . ولكنه لا يجوز الجزم به ، إلا بعد ثبوت أنها متأخرة . ولم يثبت . قال الشوكاني في نيل الأوطار ، بشرح منتقى الأخبار : قد تقرر : أن النكرة الواقعة في سياق النفي تعم . فيشعر ذلك بنفي كل فرع وكل عتيرة . والخبر محذوف . وقد تقرر في الأصول : أن المقتضي لا عموم له ، فيقدر واحد، وهو ألصقها بالمقام . وقد تقدم : أن المحذوف ، هو لفظ " واجب وواجبة " . ولكن إنما حسن المصير إلى أن المحذوف هو ذلك : الحرص على الجمع بين الأحاديث . ولولا ذلك لكان المناسب تقدير : " ثابت في الإسلام " . أو " مشروع". أو " حلال " . كما يرشد إلى ذلك التصريح بالنهي في الرواية الأخرى . قال : وقد عرفت : أن النسخ لا يتم ، إلا بعد معرفة تأخر تاريخ ما قيل : إنه ناسخ . فأعدل الأقوال : الجمع بين الأحاديث بما سلف . ولا يعكر على ذلك : رواية النهي . لأن معنى النهي الحقيقي ، وإن كان هو التحريم ، لكن إذا وجدت قرينة : [ ص: 449 ] أخرجته عن ذلك . ويمكن أن يجعل النهي موجها إلى ما كانوا يذبحونه لأصنامهم . فيكون على حقيقته . ويكون غير متناول لما ذبح من الفرع والعتيرة لغير ذلك ، مما فيه وجه قربة . انتهى .

                                                                                                                              ( زاد ابن رافع في روايته : والفرع : أول النتاج . كان ينتج لهم فيذبحونه) . تقدم : اختلاف العلماء في تفسيره .




                                                                                                                              الخدمات العلمية