الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى والأرض وضعها للأنام

جزء التالي صفحة
السابق

قوله تعالى : والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان .

ذكر - جل وعلا - في هذه الآية أنه وضع الأرض للأنام وهو الخلق ، لأن وضع الأرض لهم على هذا الشكل العظيم ، القابل لجميع أنواع الانتفاع من إجراء الأنهار وحفر الآبار وزرع الحبوب والثمار ، ودفن الأموات وغير ذلك من أنواع المنافع من أعظم الآيات [ ص: 493 ] وأكبر الآلاء التي هي النعم ، ولذا قال تعالى بعده : فبأي آلاء ربكما تكذبان [ 55 \ 13 ] .

وما تضمنته هذه الآية الكريمة من امتنانه - جل وعلا - على خلقه بوضع الأرض لهم بما فيها من المنافع ، وجعلها آية لهم ، دالة على كمال قدرة ربهم واستحقاقه للعبادة وحده - جاء موضحا في آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى : وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين الآية [ 13 \ 3 ] .

وقوله تعالى : هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه الآية [ 67 \ 15 ] .

وقوله تعالى : والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم [ 79 : 30 - 33 ] ، وقوله تعالى : والأرض فرشناها فنعم الماهدون [ 51 \ 48 ] ، وقوله تعالى : الذي جعل لكم الأرض فراشا الآية [ 2 \ 22 ] .

وقوله تعالى : والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب ونزلنا من السماء ماء مباركا الآية [ 50 \ 7 ] .

وقوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا [ 2 \ 29 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فيها فاكهة أي فواكه كثيرة ، وقد قدمنا أن هذا أسلوب عربي معروف ، وأوضحنا ذلك بالآيات وكلام العرب .

وقوله : والنخل ذات الأكمام ذات أي صاحبة ، والأكمام جمع كم بكسر الكاف ، وهو ما يظهر من النخلة في ابتداء إثمارها ، شبه اللسان ثم ينفخ عن النور ، وقيل : هو ليفها ، واختار ابن جرير شموله للأمرين .

وقوله : والحب كالقمح ونحوه .

وقوله : ذو العصف قال أكثر العلماء : العصف ورق الزرع ، ومنه قوله تعالى : فجعلهم كعصف مأكول [ 105 \ 5 ] ، وقيل : العصف التبن .

وقوله : والريحان : اختلف العلماء في معناه ، فقال بعض أهل العلم : هو كل [ ص: 494 ] ما طاب ريحه من النبت وصار يشم للتمتع بريحه . وقال بعض العلماء : الريحان الرزق ، ومنه قول النجم بن تولب العكلي :


فروح الإله وريحانه ورحمته وسماء درر     غمام ينزل رزق العباد
فأحيا البلاد وطاب الشجر

ويتعين كون الريحان بمعنى الرزق على قراءة حمزة والكسائي ، وأما على قراءة غيرهما فهو محتمل للأمرين المذكورين .

وإيضاح ذلك أن هذه الآية قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم : والحب ذو العصف والريحان بضم الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث ، وهو عطف على فاكهة أي : فيها فاكهة ، وفيها الحب إلخ ، وقرأه ابن عامر : " والحب ذا العصف والريحان " ، بفتح الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث ، وفي رسم المصحف الشامي " ذا العصف " بألف بعد الذال ، مكان الواو ، والمعنى على قراءته : وخلق الحب ذا العصف والريحان ، وعلى هاتين القراءتين - فالريحان محتمل لكلا المعنيين المذكورين .

وقراءة حمزة والكسائي بضم الباء في " الحب " وضم الذال في " ذو العصف " وكسر نون الريحان عطفا على العصف ، وعلى هذا فالريحان لا يحتمل المشموم ؛ لأن الحب الذي هو القمح ونحوه - صاحب عصف وهو الورق أو التبن ، وليس صاحب مشموم طيب ريح .

فيتعين على هذه القراءة أن المراد بالعصف ما تأكله الأنعام من ورق وتبن . والمراد بالريحان ما يأكله الناس من نفس الحب ، فالآية على هذا المعنى كقوله : متاعا لكم ولأنعامكم [ 79 \ 33 ] ، وقوله تعالى : فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم [ 32 \ 27 ] .

وقوله تعالى : فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى كلوا وارعوا أنعامكم [ 20 \ 53 - 54 ] ، وقوله تعالى : لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون الآية [ 16 \ 10 - 11 ] .

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فيها فاكهة ما ذكره تعالى فيه من الامتنان بالفاكهة التي هي أنواع - جاء موضحا في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى في سورة [ ص: 495 ] الفلاح لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون [ 23 \ 19 ] ، وقوله تعالى : وفاكهة وأبا [ 80 \ 31 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وما ذكره هنا من الامتنان بالحب جاء موضحا في آيات أخر ، كقوله تعالى : فأنبتنا به جنات وحب الحصيد [ 50 \ 9 ] ، وقوله تعالى : فأنبتنا فيها حبا وعنبا [ 80 \ 27 - 28 ] ، وقوله تعالى : وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون [ 36 \ 33 ] ، وقوله تعالى : نخرج منه حبا متراكبا الآية [ 6 \ 99 ] ، وقوله تعالى : إن الله فالق الحب والنوى [ 6 \ 95 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .

وما ذكره تعالى هنا من الامتنان بالنخل - جاء موضحا في آيات كثيرة كقوله تعالى : والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد [ 50 \ 10 ] ، وقوله تعالى : فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب الآية [ 23 \ 19 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .

وما ذكره هنا من الامتنان بالريحان على أنه الرزق كما في قراءة حمزة والكسائي - جاء موضحا في آيات كثيرة أيضا كقوله تعالى : هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا [ 40 \ 13 ] ، وقوله تعالى : قل من يرزقكم من السماء والأرض [ 10 \ 31 ] ، وقوله تعالى : أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه [ 67 \ 21 ] ، وقوله تعالى : وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات الآية [ 40 \ 64 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث