الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( باب اليمين في البيع والشراء والتزويج والصوم والصلاة وغيرها ) .

لما كانت الأيمان على هذه التصرفات أكثر منها على الصلاة والصوم والحج ، وما بعدها قدمها عليها .

والحاصل أن كل باب فوقوعه أقل مما قبله وأكثر مما بعده . واعلم أن العقود أنواع ثلاثة منها ما يتعلق حقوقه بمن ، وقع له العقد لا بالعاقد كالنكاح ومنها ما يتعلق حقوقه بالعاقد إذا كان العاقد أهلا لتعلق الحقوق به كالبيع والشراء ، ومن العقود ما لا حقوق له أصلا كالإعارة والإبراء والقضاء والاقتضاء كذا في فتاوى قاضي خان ، وهذا أولى مما في التبيين ، وفتح القدير وغيرهما من تقسيمها إلى نوعين نوع تتعلق حقوقه بالعاقد ونوع لا تتعلق حقوقه بالآمر فإنه يخرج عنها ما ليس له حقوق أصلا فما تتعلق حقوقه بالعاقد فإن الحالف لا يحنث بمباشرة وكيله لوجود الفعل من الوكيل حقيقة وحكما ، وما تتعلق حقوقه بالآمر ، وما لا حقوق له أصلا فإنه يحنث الحالف أن لا يفعله بفعل وكيله كما يحنث بمباشرته ; لأن الوكيل فيه سفير ومعبر ، وقد جعل في المحيط العارية ونحوها مما تتعلق حقوقها بالآمر .

قوله ( ما يحنث بالمباشرة لا بالآمر البيع والشراء والإجارة والاستئجار والصلح عن مال والقسمة والخصومة وضرب الولد ) ; لأن العقد وجد من العاقد حتى كانت الحقوق عليه ، ولهذا لو كان العاقد هو الحالف يحنث في يمينه فلم يوجد ما هو الشرط ، وهو العقد من الآمر ، وإنما الثابت له حكم العقد إلا أن ينوي غير ذلك أطلقه المصنف ، وهو مقيد بما إذا كان الحالف يتولى العقود بنفسه أما إذا كان الحالف ذا سلطان كالأمير والقاضي ونحوهما لا يتولى العقد بنفسه فإنه يحنث بالأمر أيضا ; لأنه يمنع نفسه عما يعتاده فإن كان الآمر يباشره مرة ويفوض أخرى يعتبر الأغلب كما في المحيط ، وأطلق في الصلح عن مال ، وهو مقيد بأن يكون عن الإقرار ; لأنه حينئذ بيع أما الصلح عن إنكار فهو فداء لليمين في حق المدعى عليه فيكون الوكيل من جانبه سفيرا محضا فكان من القسم الثاني كما سنبينه في كتاب الوكالة فعلى هذا إذا حلف المدعي أن لا يصالح فلانا عن هذه الدعوى أو عن هذا المال فوكل فيه لا يحنث مطلقا ، وإذا حلف المدعى عليه ثم وكل به فإن كان عن إقرار حنث ، وإن كان عن [ ص: 376 ] إنكار أو سكوت لا يحنث ، وقيد بالصلح عن المال احترازا عما صرح به في القسم الثاني من الصلح عن دم العمد ، وفي المحيط لو حلف لا يصالح رجلا في حق يدعيه عليه فوكل رجلا فصالحه لم يحنث . ولو قال والله لا أصالح فلانا فأمر غيره فصالحه حنث في القضاء ; لأن الصلح لا عهدة فيه . ا هـ .

ولعل المراد بالفرع الثاني الصلح اللغوي بمعنى عدم العداوة والغيظ لا بمعنى أنه عقد برفع النزاع الذي هو الصلح الفقهي ، وفي الواقعات حلف لا يشتري من فلان فأسلم إليه في ثوب حنث ; لأنه اشترى مؤجلا حلف لا يشتري عبد فلان فآجر به داره لا يحنث ; لأنه ليس بشراء ألا ترى أنه لا شفعة فيها مع أن الشفعة تثبت في الشراء حلفه السلطان أن لا يشتري طعاما للبيع ثم اشترى طعاما لبيته ثم بدا له فباعه لا يحنث لأنه ما اشترى للبيع ، وهذا كمن حلف لا تخرج امرأته إلى بيت والدتها فخرجت للمسجد ثم زارت والدتها لا يحنث حلف لا يشتري ثوبا جديدا فتفسير الجديد ما لا ينكسر حتى يصير شبه الخلق ويجب أن يكون جديدا قبل الغسل وبعده لا لاعتبار العرف حلف لا يشتري بقلا فاشترى أرضا فيها مبقلة قد نبتت وشرط ذلك معها حنث وكذلك لو حلف لا يشتري رطبا واشترى نخلا بها رطب وشرط ذلك حنث ; لأنه لو لم يشترط لا يدخل في البيع فإذا شرطه حتى دخل يكون له حصة من الثمن فصار مشتريا له حلف أن لا يبيع داره فأعطاها امرأته في صداقها حنث كذا ذكر هنا ويجب أن يكون الجواب على التفصيل إن تزوجها على الدار لا يحنث ; لأن هذا ليس ببيع وإن تزوجها على الدراهم ثم أعطاها عوضا عن تلك الدراهم حنث ; لأن هذا بيع . ا هـ .

وفي البدائع حلف لا يشتري ذهبا ، ولا فضة فاشترى من دراهم أو دنانير أو آنية أو تبر أو مصوغ حلية أو غير ذلك مما هو ذهب أو فضة فإنه يحنث في قول أبي يوسف ، وقال محمد لا يحنث في الدراهم والدنانير للعرف ، ولو حلف لا يشتري حديدا فهو على مضروبه ، وإبره سلاحا كان أو غير سلاح في قول أبي يوسف ، وقال محمد إن اشترى شيئا من الحديد يسمى بائعه حدادا يحنث ، وإلا فلا وبائع الإبر لا يسمى حدادا ، ولو حلف لا يشتري صفرا فاشترى طست صفر أو كوزا أو تورا حنث ، وكذلك عند محمد ، وقال محمد لو اشترى فلوسا لا يحنث ، ولو حلف لا يشتري صوفا فاشترى شاة على ظهرها صوف لم يحنث ، وكذا لو حلف لا يشتري لحما فاشترى شاة حية لم يحنث ، ولو حلف لا يشتري دهنا فهو على دهن جرت العادة بالادهان به ، ولو حلف لا يشتري بنفسجا أو لا يشمه فهو على الدهن والورق ، وأما الحناء والورد فهو على الورق دون الدهن ولو حلف لا يشتري بذرا فاشترى دهن بذر حنث ، وإن اشترى حبا لم يحنث . ا هـ .

وفي الظهيرية : ولو قال لامرأته إن اشتريت شيئا فأنت طالق فاشترت الماء قالوا إن اشترته في قربة أو جرة طلقت ، وإن دفعت الجرة إلى السقاء وخبزا حتى يحمل لها الماء لا تطلق ، ولو باع عبده من رجل وسلم إلى المشتري ثم حلف البائع أن لا يشتريه من فلان ثم إن المشتري أقال البيع ، وقبل البائع الإقالة لا يحنث ، ولو كان الثمن ألف درهم فوقعت الإقالة بمائة دينار أو بأكثر من الثمن الأول أو أقل حنث قيل هذا قولهما ، وأما على قول أبي حنيفة لا يحنث لكونه إقالة على كل حال على ما عرف . ولو حلف وقال والله ما اشتريت اليوم شيئا ، وقد كان اشترى في ذلك اليوم أشياء لكن بالتعاطي فقد قيل يحنث في يمينه ، وفي مجموع النوازل وضع المسألة في طرف المبيع فقال إذا حلف لا يبيع الخبز فجاء رجل فأعطاه دراهم لأجل الخبز ودفع هو إليه الخبز لا يحنث وذكر في شهادات القدوري ما يؤيد ما ذكر في مجموع النوازل فقال لا يسع لمن عاين ذلك أن يشهد على البيع بل يشهد على التعاطي وإلى هذا مال الماتريدي .

ولو حلف لا يشتري قميصا فاشترى قميصا مقطعا غير مخيط [ ص: 377 ] لا يحنث ، ولو قال إن بعث غلامي هذا أحدا من الناس فامرأته كذا فباعه من رجلين حنث ، وكذا إذا قال إن أكل هذا الرغيف أحد فأكله اثنان حنث في يمينه ، وفي القنية حلف لا يبيع فوهب بشرط العوض ينبغي أن يحنث باع جاريته ثم قال إن دخلت هي في بيعي فهي حرة فإن ردت عليه بغير قضاء تعتق ، وإلا فلا حلف إن اشتراها يحنث بالإقالة حلف لا يبيع يحنث ببيع التلجئة . ا هـ .

وعلى هذا فالهبة بشرط العوض داخلة تحت يمين لا يهب نظر إلى أنها هبة ابتداء فيحنث وداخلة تحت يمين لا يبيع نظر إلى أنها بيع انتهاء فيحنث بها ، ولو قال إن آجرت داري هذه فهي صدقة ثم احتاج إلى إجارتها فالمخرج له عن اليمين أن يبيعها الحالف من غيره ثم يوكل المشتري الحالف بالإجارة فيؤاجرها بعد القبض ثم يشتريها فتخرج عن يمينه بالإجارة على ملك المشتري . ا هـ .

وقد يقال لا حاجة إلى هذا التكليف ; لأنه لو وكل في إجارتها لا يحنث فكذا لا يلزمه التصدق بها إلا أن يفرق بين النذر واليمين وسيأتي الفرق بين ضرب الولد وضرب الغلام ، وفي الذخيرة حلف لا يؤجر ، وله مستغلات آجرتها امرأته ، وقبضت الأجرة فأنفقت أو أعطتها زوجها لا يحنث وتركها في أيدي الساكنين لا يكون إجارة فلو قال للساكنين اقعدوا في هذه المنازل فهو إجارة ويحنث ، وكذا إذا تقاضى منهم أجرة شهر لم يسكنوا فيه بخلاف ما إذا أنقدوه أجرة شهر قد سكنوا فيه فإنه ليس بإجارة ا هـ .

التالي السابق


( باب اليمين في البيع والشراء والتزويج والصوم والصلاة وغيرها ) .

( قوله : ، وهذا أولى مما في التبيين ) قرر في النهر الضابط على وجه دفع به الأولوية فراجعه ( قوله : ونوع لا تتعلق حقوقه بالآمر ) كذا في أكثر النسخ والصواب ما في بعضها تتعلق بدون لا ( قوله : فإن كان عن إقرار حنث ، وإن كان عن إنكار أو سكوت لا يحنث ) كذا في عدة من النسخ التي [ ص: 376 ] رأيناها والصواب أن يقول لا يحنث ، وفي الثاني حنث ، وقد وجد كذلك مصلحا في نسخة ( قوله : ولو قال والله لا أصالح فلانا من غيره ) هكذا في عدة نسخ ، وفي بعضها فأمر غيره ، وهي الصواب ، وقوله ; لأن الصلح لا عهدة فيه أي ; لأنه لا حقوق له فيحنث بفعل وكيله كالذي له حقوق تتعلق بالآمر ( قوله : حنث في القضاء ) قالالرملي تقييده بالقضاء يدل على أنه لا يحنث في الديانة فتأمل ( قوله : ولعل المراد بالفرع الثاني إلخ ) قال الرملي قال في النهر وحمل الثاني في البحر على الصلح اللغوي أي الدافع للعداوة ولا حاجة إليه بل الأول عن إقرار والثاني عن إنكار . ا هـ .

وأقول : كيف هذا مع تعليله بأن الصلح لا عهدة فيه والصلح عن إنكار معاوضة في حق المدعي والذي يظهر من قوله في حق يدعيه أن الثاني لا في حق يدعيه كما لا يخفى وفيما قاله صاحب النهر بعد تأمل . ا هـ .

قلت : قال في شرح الوهبانية : وكذا في الخصومة حلف لا أصالح فلانا فأمر الغير بصلحه [ ص: 377 ] حنث في القضاء عن أبي يوسف و محمد . ا هـ .

( قوله : حلف إن اشتراها يحنث بالإقالة ) عزاه في النهر إلى عقد الفوائد ، وهو مخالف لما تقدم عن الظهيرية والظاهر أنه قول آخر . ( قوله : وكذا إذا تقاضى منهم أجرة شهر لم يسكنوا فيه ) قال في النهر ، وأنت خبير بأن تقاضي أجرة شهر لم يسكنوا فيه ليس إلا الإجارة بالتعاطي فينبغي أن يجري فيه الخلاف السابق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث