الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب اللعان

باب اللعان اعلم بأن موجب قذف الزوج زوجته كان هو الحد في الابتداء كما في الأجنبية ثبت بقوله تعالى : { والذين يرمون المحصنات } الآية . والدليل عليه ما روي { أن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كنا جلوسا في المسجد ليلة الجمعة إذ دخل رجل أنصاري فقال : يا رسول الله أرأيت الرجل يجد مع امرأته رجلا فإن قتل قتلتموه ، وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ ، ثم قال : اللهم افتح فنزلت آية اللعان . } { وقال صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية رضي الله عنه حين قذف امرأته بشريك ابن سحماء : ائت بأربعة يشهدون على صدق مقالتك وإلا فحد على ظهرك } ، وقالت الصحابة رضوان الله عليهم : الآن يجلد هلال بن أمية رضي الله عنه فتبطل شهادته في المسلمين فثبت أن موجب القذف كان هو الحد ، ثم انتسخ ذلك باللعان في حق الزوجين واستقر الأمر على أن موجب قذف الزوج الزوجة - اللعان بشرائط نذكرها ، وعلى قول الشافعي موجبه الحد ، ولكنه يتمكن من إسقاط ذلك عن نفسه باللعان حتى لو امتنع الزوج من اللعان يقام عليه حد القذف وعندنا يحبس حتى يلاعن واستدل بقوله تعالى { والذين يرمون المحصنات } .

ثم في آية اللعان بيان المخرج للزوج بأن تقام كلمات اللعان مقام أربعة من الشهداء ; لأن في كلمات اللعان لفظة الشهادة وهي شهادات مؤكدة بالأيمان ، مزكاة باللعن ، مؤكدة بالظاهر ، وهو أن الزوج لا يلوث الفراش على نفسه كاذبا ولهذا قلت بلعانه يجب حد الزنا عليها ثم تتمكن هي من إسقاط الحد عن نفسها بلعانها على أن يكون لعانها معارضا لحجة الزوج ; لأنها شهادات مؤكدة بالأيمان ، مزكاة بالتزام الغضب ، مؤيدة بالظاهر ، وهو أن المسلمة تمتنع من ارتكاب الحرام ، وفي كتاب الله تعالى إشارة إلى هذا فإنه قال : { ويدرأ عنها العذاب } أي يسقط الحد الواجب بلعان الزوج . ( وحجتنا ) في ذلك قوله تعالى { والذين يرمون أزواجهم } فهذا يقتضي أن يكون المذكور في الآية جميع موجب قذف الزوجة ، وذلك ينفي أن يكون الحد موجب هذا القذف مع اللعان ، ولو وجب الحد عليه لم يسقط إلا بحجة ، وكلمات اللعان قذف أيضا فكيف يصح أن يكون القذف مسقطا لموجب القذف [ ص: 40 ] فعرفنا أنه هو الموجب لما فيه من التزام اللعن ، وإن امتنع منه يحبس حتى يلاعن ; لأن من امتنع من إيفاء حق مستحق عليه لا تجري النيابة في إيفائه - يحبس حتى يأتي به ولا يجب عليها حد بلعانه ; لأن شهادة المرء لنفسه لا تكون حجة في استحقاق ما يثبت مع الشبهات على الغير ابتداء فكيف تكون حجة في استحقاق ما يندرئ بالشبهات وهذا ; لأن الشهادات ، وإن تكررت من واحد ليس بخصم لا تتم الحجة بها فمن الخصم أولى . والعجب من الشافعي رحمه الله تعالى أنه يقول : لو شهد الزوج مع ثلاثة نفر على زوجته بالزنا لا يجب الحد عليها فكيف يجب الحد بشهادته وحده ، ولكن اللعان مستحق عليها كما هو على الزوج فإذا امتنعت حبست .

والمراد من قوله تعالى { ويدرأ عنها العذاب } الحبس لا الحد . إذا عرفنا هذا فنقول : من شرائط اللعان عندنا - كون الزوجين من أهل الشهادة على الإطلاق ، وعند الشافعي رضي الله تعالى عنه هذا ليس بشرط ، ولكن كل من كان من أهل الطلاق عنده فهو من أهل اللعان ، وهذا منه تناقض ; لأنه يجعل كلمات اللعان شهادات في وجوب الحد بها ثم لا يشترط الأهلية للشهادة ، ولكن يقول : اللعان من كلام الزوج موجب للفرقة فيكون بمنزلة الطلاق .

( وحجتنا ) في ذلك ما بدأ به الباب فقال : بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا لعان بين أهل الكفر وأهل الإسلام ، ولا بين العبد وامرأته } ، وأهل الحديث يروون هذا بلفظ آخر وقد ذكره صاحب المشافهات في تفسيره ( أربعة لا لعان بينهم وبين نسائهم المسلم إذا كان تحته كافرة والكافر إذا كان تحته مسلمة والحر إذا كان تحته أمة والعبد إذا كان تحته حرة ) فذلك تنصيص على اشتراط أهلية الشهادة فيهما وفي الآية إشارة إلى هذا فإنه قال : ( ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) والمراد بالشهداء من يكون أهلا للشهادة مطلقا ، والمستثنى من جنس المستثنى منه وقال الله تعالى : { فشهادة أحدهم } وهذا شأن شهادة شرعية ، ولا يتحقق ذلك ممن ليس بأهل للشهادة ، ثم المسلم إذا كان تحته كافرة فهي ليست بمحصنة وكما أن قذف الأجنبية إذا لم تكن محصنة لا يوجب الحد ، فكذلك قذف الزوج زوجته إذا لم تكن محصنة لا يوجب اللعان وكذلك الحر إذا كان تحته أمة فأما الكافر إذا كان تحته مسلمة بأن أسلمت امرأته فقذفها قبل أن يعرض عليه الإسلام ، فهو ليس من أهل الشهادة عليها وكذلك العبد إذا كان تحته حرة فلا يكون قذفه إياها موجبا للعان ، ولكنه يكون موجبا حد القذف ; لأن القذف بالزنا لا ينفك عن موجب فإذا خرج من أن يكون موجبا للعان لمعنى في القاذف [ ص: 41 ] كان موجبا للحد ، وكذلك المحدود في القذف إذا قذف امرأته ; لأن الدلالة قامت لنا على أن إقامة حد القذف عليه مبطل لشهادته ، ومخرج له من أن يكون أهلا لأداء الشهادة وكذلك إن كانت المرأة محدودة في قذف فلا لعان بينهما لانعدام أهلية أداء الشهادة في جانبها إلا أنه إذا كانت هي المحدودة في القذف فلا حد على الزوج ، ولا لعان ; لأن قذفه باعتبار حاله موجب للعان فلا يكون موجبا للحد إذ لا يجمع بين الموجبين ولكن امتنع جريان اللعان لمعنى من جهتها فهو كما لو صدقت الزوج بخلاف ما إذا كان الزوج هو المحدود ; لأن قذفه باعتبار حاله لم يكن موجبا للعان فكان موجبا للحد إذ هي محصنة .

ولو كانا محدودين في قذف فعليه الحد أيضا ; لأن قذفه باعتبار حاله غير موجب للعان فيكون موجبا للحد ، ولا يجوز أن يقال امتناع جريان اللعان هنا لكونها محدودة ; لأن أصل القذف يكون من الرجل وإنما يظهر حكم المانع في جانبها بعد قيام الأهلية في جانب الرجل فأما بدون الأهلية في جانبه لا معتبر بحالها ، وكذلك العبد يقذف الحرة المحدودة تحته لأنها محصنة وإن قذف العبد امرأته ، وهي مملوكة أو مكاتبة فلا حد عليها ولا لعان ; لأنها ليست بمحصنة وكذلك الحر يقذف امرأته وهي أمة ، أو مدبرة أو أم ولد أو مكاتبة أو مستسعاة في قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأنها بمنزلة المكاتبة فلا تكون محصنة مع قيام الرق ، ولكنه يعذر لذلك أسواطا ; لأن قذف المملوك يوجب التعزير لمعنى هتك الستر ، وإشاعة الفاحشة ، والعبد إذا قذف امرأته الحرة المسلمة فعليه الحد ; لأن قذفه باعتبار حاله غير موجب للعان فيلزمه الحد لكونها محصنة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث