الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) .

قوله تعالى : ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين ) .

[ ص: 186 ] اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات ، وهي أن كلمه ربه ، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية :

المسألة الأولى : دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام ، والناس مختلفون في كلام الله تعالى ، فمنهم من قال : كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ، ومنهم من قال : كلامه صفة حقيقية مغايرة للحروف والأصوات .

أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون اتفقوا على أنه يجب كونه حادثا كائنا بعد أن لم يكن . وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم ، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه ، وذلك أني قلت يوما : إنه تعالى إما أن يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي ، والأول باطل ؛ لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية ، فأما إذا كانت حروفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيدا البتة ، والثاني : يوجب كونها حادثة ؛ لأن الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول ، فالأول حادث ؛ لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والثاني حادث ؛ لأن كل ما كان وجوده متأخرا عن وجود غيره فهو حادث ، فثبت أنه بتقدير أن يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد الحروف والأصوات محدث .

إذا ثبت هذا فنقول للناس : ههنا مذهبان :

الأول : أن محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات الله تعالى ، وهو قول الكرامية .

الثاني : أن محلها جسم مباين لذات الله تعالى كالشجرة وغيرها ، وهو قول المعتزلة .

أما القول الثاني : وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات ، فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة . وتلك الصفة قديمة أزلية . والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام . فقالت الأشعرية : إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية ، قالوا : وكما لا يتعذر رؤية ذاته ، مع أن ذاته ليست جسما ولا عرضا ، فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفا ولا صوتا . وقال أبو منصور الماتريدي : الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة ، فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فذاك ما سمعه موسى عليه السلام البتة ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى .

المسألة الثانية : اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام آخرين ، وظاهر الآية يدل على الأول ؛ لأن قوله تعالى : ( وكلمه ربه ) يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف ، والتخصيص بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه . وقال القاضي : بل السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضا كلام الله تعالى . قال : لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجري هناك ، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام ، وأيضا فإن تكليم الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز ، وقد تقدمت نبوة موسى عليه السلام ، فلا بد من ظهور هذا المعنى لغيره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث