الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قاعدة شريفة في الرضا الشرعي

[ ص: 210 ]

[ ص: 211 ] قاعدة شريفة

في الرضا الشرعي وما يحبه الله من الرضا، وبيان

أن الله لا يرضى بالكفر ولا يحبه ولا يشرعه، ولا يرضى بالمعاصي ولا يحبها ولا يثيب فاعلها [ ص: 212 ] [ ص: 213 ] الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، - صلى الله عليه وسلم -.

فصل

فيما يحبه الله ويرضاه من رضا العبد، وما لا يحبه من ذلك ويرضاه، فإن هذا الباب مما كثر فيه اضطراب كثير من المتأخرين، فإنهم سمعوا لفظ الرضا بالقضاء وأن ذلك محمود من العبد يثاب عليه بل يؤمن به، وأنه من أعلى مقامات اليقين وأحوال الصديقين، وظنوا أن المراد بذلك أن كل ما كان مخلوقا للرب فينبغي أن يرضى ذلك المخلوق. ثم صاروا حزبين:

حزبا قالوا إذا كان القضاء والرضا متلازمين، فمعلوم أنا مأمورون ببغض ما نهى الله ورسوله عنه وسخطه، فلا يكون بقضاء وقدر.

وحزبا قالوا: إذا كانا متلازمين، وقد دعينا إلى الرضا، فنحن نرضى بكل ما يقع من الكفر والفسوق والعصيان.

وكل من هذين الحزبين مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، فالحزب الأول علموا أن الله لا يرضى الكفر والفسوق والعصيان، قالوا: فلم يخلق ذلك ولم يقدره ولم يقتضه، بل ذلك واقع في الوجود بغير مشيئته ولا قدرته ولا خلقه، ومنهم من قال: ولا علمه قبل أن يقع. وهؤلاء القدرية المكذبون بقدر الله من المعتزلة وغيرهم. ومن أعظم حججهم على ذلك أن قالوا: الرضا [ ص: 214 ] بالقضاء من أعظم المقامات، وربما ادعوا إجماع المسلمين على أن الرضا بالقضاء من أفضل المقامات، فلو كانت المعاصي بقضائه لكان ينبغي أن يرضى بها. والرضا بالكفر والفسوق والعصيان لا يجوز باتفاق المسلمين، فعلم أن هذه ليست بقضائه.

ولما أوردوا هذه الحجة أجابهم أهل الإثبات للقدر، كل طائفة بجواب بحسب أصولهم، فإن من يقول: إن رضاه هو إرادته، وإن كل ما قدره فقد رضيه وأحبه وأراده، كما يقول ذلك الجهمية ومن اتبعهم من أهل الكلام والتصوف وغيرهم، فله جواب على أصله.

وهؤلاء يقولون: أراد الكفر قبيحا معاقبا عليه، وكذلك رضيه وأحبه قبيحا معاقبا عليه. ومعنى "قبيحا" عندهم أي منهيا عنه، فهم يقولون: أراده ورضيه وأحبه ومع ذلك نهى عنه ونهانا أن نرضى به، فحقيقة قولهم أن الله يحب أمورا ويرضاها مع نهيه لنا عنها أن نحبها ونرضاها. ومن هؤلاء أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الباقلاني وطائفة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد.

فمن هؤلاء من قال: إنما نرضى بقضائه الذي أمرنا أن نريده ونرضاه، ولا نرضى من ذلك ما نهانا أن نرضى به. وهذا جواب طائفة كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وغيرهما.

وقد يقولون: نرضى بالقضاء على الجملة، ولا نطلقه على التفصيل.

هذا حكاية لفظهم.

ومنهم من قال ما ذكره أبو حامد والرازي وغيرهما، قالوا: نرضى بالقضاء ولا نرضى بالمقضي.

قالت الطائفة الأولى كالقاضيين -وهذا لفظ أبي بكر، فإنه الأسبق [ ص: 215 ] إلى هذا الجواب، قال -:

فإن قال: أفترضون بقضاء الله وقدره؟

قيل له: نرضى بقضاء الله الذي هو خلقه، الذي أمرنا أن نريده ونرضاه، ولا نرضى من ذلك ما نهانا أن نرضى به، ولا نتقدم بين يدي الله ولا نعترض على حكمه.

وجواب آخر، وهو أنا نقول: نرضى بقضاء الله في الجملة على كل حال.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث