الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

باب ما جاء في الضيافة

3660 - ( عن عقبة بن عامر قال : { قلت يا رسول الله إنك تبعثني فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى ؟ فقال : إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا ، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم } ) .

3661 - ( وعن أبي شريح الخزاعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليكرم ضيفه جائزته ، قالوا : وما جائزته يا رسول الله ؟ قال : يوم وليلة ، والضيافة ثلاثة أيام ، فما كان وراء ذلك فهو صدقة ، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه } متفق عليهما ) .

3662 - ( وعن المقدام أبي كريمة أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { ليلة الضيف واجبة على كل مسلم ، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه ، إن شاء اقتضاه ، وإن شاء تركه } وفي لفظ : { من نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن [ ص: 178 ] يعقبهم بمثل قراه } رواهما أحمد وأبو داود ) .

3663 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أيما ضيف نزل بقوم فأصبح الضيف محروما فله أن يأخذ بقدر قراه ولا حرج عليه } رواه أحمد ) .

التالي السابق


حديث المقدام سكت عنه أبو داود هو والمنذري . قال الحافظ في التلخيص : وإسناده على شرط الصحيح ، وله أيضا من حديثه : { أيما رجل أضاف قوما فأصبح الضيف محروما فإن نصره حق على كل مسلم حتى يأخذ بقرى ليلة من زرعه وماله } قال الحافظ : وإسناده صحيح .

وعن أبي هريرة عند أبي داود والحاكم بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { الضيافة ثلاثة أيام ، فما سوى ذلك فهو صدقة } .

وعن شقيق بن سلمة عند الطبراني في الأوسط قال : { دخلنا على سلمان فدعا بماء كان في البيت وقال : لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن التكلف للضيف لتكلفت لكم } .

وحديث أبي هريرة المذكور في الباب قال في مجمع الزوائد : رجال أحمد ثقات .

وفي الباب عن عائشة أشار إليه الترمذي قوله : ( لا يقرونا ) بفتح أوله من القرى : أي لا يضيفونا . قوله : ( بما ينبغي للضيف ) أي من الإكرام بما لا بد منه من طعام وشراب وما يلتحق بهما . قوله : ( فخذوا منهم حق الضيف . . . إلخ ) قال الخطابي : إنما كان يلزم ذلك في زمنه صلى الله عليه وسلم حيث لم يكن بيت مال ، وأما اليوم فأرزاقهم في بيت المال لا حق لهم في أموال المسلمين . وقال ابن بطال : قال أكثرهم : إنه كان هذا في أول الإسلام حيث كانت المواساة واجبة وهو منسوخ بقوله " جائزته " كما في حديث الباب ، قالوا : والجائزة تفضل لا واجب .

قال ابن رسلان : قال بعضهم : المراد أن لكم أن تأخذوا من أعراض من لم يضيفكم بألسنتكم وتذكروا للناس لؤمهم والعيب عليهم ، وهذا من المواضع التي يباح فيها الغيبة كما أن القادر المماطل بالدين مباح عرضه وعقوبته ، وحمله بعضهم على أن هذا كان في أول الإسلام وكانت المواساة واجبة ، فلما اتسع الإسلام نسخ ذلك . قال النووي : وهذا تأويل ضعيف أو باطل لأن هذا الذي ادعاه قائله لا يعرف انتهى . وقد تقدم ذكر قائله قريبا ، فتعليل الضعف أو البطلان بعدم معرفة القائل ضعيف أو باطل ، بل الذي ينبغي عليه التعويل في ضعف هذا التأويل هو أن تخصيص ما شرعه صلى الله عليه وسلم لأمته بزمن من الأزمان أو حال من الأحوال لا يقبل إلا بدليل ولم يقم ههنا دليل على تخصيص هذا الحكم بزمن النبوة ، وليس فيه مخالفة للقواعد الشرعية ; لأن مؤنة الضيافة بعد شرعتها قد صارت لازمة للمضيف لكل نازل عليه ، فللنازل المطالبة بهذا الحق الثابت شرعا كالمطالبة بسائر الحقوق ، فإذا أساء إليه واعتدى [ ص: 179 ] عليه بإهمال حقه كان له مكافأته بما أباحه له الشارع في هذا الحديث { وجزاء سيئة سيئة مثلها } { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } قوله : ( من كان يؤمن بالله . . . إلخ ) قيل : المراد من كان يؤمن الإيمان الكامل المنجي من عذاب الله الموصل إلى رضوانه ، ويؤمن بيوم القيامة الآخر ، استعد له واجتهد في فعل ما يدفع به أهواله ومكارهه ، فيأتمر بما أمر به ، وينتهي عما نهى عنه .

ومن جملة ما أمر به إكرام الضيف وهو القادم من السفر النازل عند المقيم وهو يطلق على الواحد والجمع والذكر والأنثى قال ابن رسلان : والضيافة من مكارم الأخلاق ومحاسن الدين وليست واجبة عند عامة العلماء خلافا لليث بن سعد فإنه أوجبها ليلة واحدة . وحجة الجمهور لفظ جائزته المذكورة ، فإن الجائزة هي العطية والصلة التي أصلها على الندب ، وقلما يستعمل هذا اللفظ في الواجب .

قال العلماء : معنى الحديث الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة وإتحافا بما يمكن من بر وألطاف انتهى .

والحق وجوب الضيافة لأمور : الأول : إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك وهذا لا يكون في غير واجب . والثاني : التأكيد البالغ يجعل ذلك فرع الإيمان بالله واليوم الآخر ، ويفيد أن فعل خلافه فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، ومعلوم أن فروع الإيمان مأمور بها ثم تعليق ذلك بالإكرام وهو أخص من الضيافة فهو دال على لزومها بالأولى . والثالث : قوله : فما كان وراء ذلك فهو صدقة فإنه صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعا . قال الخطابي : يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وألطاف ، ويقدم له في اليوم الثاني ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته ، فما جاوز الثلاث فهو معروف وصدقة إن شاء فعل وإن شاء ترك .

وقال ابن الأثير : الجائزة : العطية . أي يقري ضيفه ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة . والرابع : قوله صلى الله عليه وسلم : " ليلة الضيف حق واجب " فهذا تصريح بالوجوب لم يأت ما يدل على تأويله . والخامس : قوله صلى الله عليه وسلم في حديث المقدام الذي ذكرنا : " فإن نصره حق على كل مسلم " فإن ظاهر هذا وجوب النصرة ، وذلك فرع وجوب الضيافة . إذا تقرر هذا تقرر ضعف ما ذهب إليه الجمهور ، وكانت أحاديث الضيافة مخصصة لأحاديث حرمة الأموال إلا بطيبة الأنفس ، ولحديث { ليس في المال حق سوى الزكاة } . ومن التعسفات حمل أحاديث الضيافة على سد الرمق ، فإن هذا مما لم يقم عليه دليل ولا دعت إليه حاجة ، وكذلك تخصيص الوجوب بأهل الوبر دون أهل المدن استدلالا بما يروى أن الضيافة على أهل الوبر .

قال النووي وغيره من الحفاظ : إنه حديث موضوع لا أصل له قوله : ( أن يثوي ) بفتح أوله وسكون المثلثة : أي يقيم قوله : ( حتى يحرجه ) بضم أوله وسكون الحاء المهملة : أي يوقعه في الحرج وهو الإثم لأنه قد يكدره فيقول : هذا [ ص: 180 ] الضيف ثقيل ، أو قد ثقل علينا بطول إقامته ، أو يتعرض له بما يؤذيه ، أو يظن به ما لا يجوز .

قال النووي : وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث بغير استدعائه ، وأما إذا استدعاه وطلب منه إقامته أو علم أو ظن منه محبة الزيادة على الثلاث أو عدم كراهته فلا بأس بالزيادة ; لأن النهي إنما جاء لأجل كونه يؤثمه ، فلو شك في حال المضيف هل تكره الزيادة ويلحقه بها حرج أم لا ؟ لم يحل له الزيادة على الثلاث لظاهر الحديث . قوله : ( ليلة الضيف ) أي ويومه بدليل الحديث الذي قبله .

قوله : ( بفنائه ) بكسر الفاء وتخفيف النون ممدودا : وهو المتسع أمام الدار . وقيل ما امتد من جوانب الدار جمعه أفنية . قوله : ( فله أن يعقبهم . . . إلخ ) قال الإمام أحمد في تفسير ذلك : أي للضيف أن يأخذ من أرضهم وزرعهم بقدر ما يكفيه بغير إذنهم . وعنه رواية أخرى أن الضيافة على أهل القرى دون الأمصار ، وإليه ذهبت الهادوية ، وقد تقدم تحقيق ما هو الحق .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث