الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون

عطف على جملة وربك يخلق ما يشاء ويختار الآية . والمقصود هو قوله : [ ص: 167 ] " وله الحكم " ، وإنما قدم عليه ما هو دليل على أنه المنفرد بالحكم مع إدماج صفات عظمته الذاتية المقتضية افتقار الكل إليه .

ولذلك ابتدئت الجملة بضمير الغائب ليعود إلى المتحدث عنه بجميع ما تقدم من قوله : وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها إلى هنا ، أي الموصوف بتلك الصفات العظيمة والفاعل لتلك الأفعال الجليلة . والمذكور بعنوان " ربك " هو المسمى الله ، اسما جامعا لجميع معاني الكمال ، فضمير الغيبة مبتدأ واسم الجلالة خبره ، أي فلا تلتبسوا فيه ولا تخطئوا بادعاء ما لا يليق باسمه . وقريب منه قوله : ذلكم الله ربكم الحق .

وقوله : " لا إله إلا هو " خبر ثان عن ضمير الجلالة ، وفي هذا الخبر الثاني زيادة تقرير لمدلول الخبر الأول ، فإن اسم الجلالة اختص بالدلالة على الإله الحق إلا أن المشركين حرفوا أو أثبتوا الإلهية للأصنام مع اعترافهم بأنها إلهية دون إلهية الله تعالى ، فكان من حق النظر أن يعلم أن لا إله إلا هو ، فكان هذا إبطالا للشرك بعد إبطاله بحكاية تلاشيه عن أهل ملته يوم القيامة بقوله : " وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم " .

وأخبر عن اسم الجلالة خبرا ثانيا بقوله : له الحمد في الأولى والآخرة وهو استدلال على انتفاء إلهية غيره بحجة أن الناس مؤمنهم وكافرهم لا يحمدون في الدنيا إلا الله ، فلا تسمع أحدا من المشركين يقول : الحمد للعزى ، مثلا .

فاللام في له للملك ، أي لا يملك الحمد غيره ، وتقديم المجرور لإفادة الاختصاص ، وهو اختصاص حقيقي .

وتعريف الحمد تعريف الجنس المفيد للاستغراق ، أي له كل حمد .

و الأولى هي الدنيا ، وتخصيص الحمد به في الدنيا اختصاص لجنس الحمد به ؛ لأن حمد غيره مجاز كما تقدم في أول الفاتحة .

وأما الحمد في الآخرة فهو ما في قوله : يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده . واختصاص الجنس به في الآخرة حقيقة .

[ ص: 168 ] وقوله : وله الحكم اللام فيه أيضا للملك ، والتقديم للاختصاص أيضا .

والحكم : القضاء ، وهو تعيين نفع أو ضر للغير . وحذف المتعلق بالحكم لدلالة قوله : في الأولى والآخرة عليه ، أي له الحكم في الدارين . والاختصاص مستعمل في حقيقته ومجازه ؛ لأن الحكم في الدنيا يثبت لغير الله على المجاز ، وأما الحكم في الآخرة فمقصود على الله . وفي هذا إبطال لتصرف آلهة المشركين فيما يزعمونه من تصرفاتها وإبطال لشفاعتها التي يزعمونها في قولهم : هؤلاء شفعاؤنا عند الله أي في الآخرة إن كان ما زعمتم من البعث .

وأما جملة وإليه ترجعون فمسوقة مساق التخصيص بعد التعميم ، فبعد أن أثبت لله كل حمد وكل حكم ، أي أنكم ترجعون إليه في الآخرة فتمجدونه ويجري عليكم حكمه ، والمقصود بهذا إلزامهم بإثبات البعث .

وتقديم المجرور في وإليه ترجعون للرعاية على الفاصلة وللاهتمام بالانتهاء إليه أي إلى حكمه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث