الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الباب الثالث في تعارض مقتضيات الألفاظ

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 76 ] الباب الثالث

في تعارض مقتضيات الألفاظ

يحمل اللفظ على الحقيقة دون المجاز ، والعموم دون الخصوص ، والإفراد دون الاشتراك ، والاستقلال دون الإضمار ، وعلى الإطلاق دون التقييد ، وعلى التأصيل دون الزيادة ، وعلى الترتيب دون التقديم والتأخير ، وعلى التأسيس دون التأكيد ، وعلى البقاء دون النسخ ، وعلى الشرعي دون العقلي ، وعلى العرفي دون اللغوي إلا أن يدل دليل على خلاف ذلك .

فروع أربعة : الأول : يجوز عند المالكية استعمال اللفظ في حقائقه إن كان مشتركا ، أو مجازاته ، أو مجازه وحقيقته ، وبذلك قال الشافعي - رحمه الله - وجماعة من أصحابه خلافا لقوم ، وهذا يشترط فيه دليل يدل على وقوعه ، وهذا الفرع يبنى على قاعدة ، وهي أن المجاز على ثلاثة أقسام : جائز إجماعا ، وهو ما اتحد محمله ، وقربت علاقته ، وممتنع إجماعا ، وهو مجاز التعقيد ، وهو ما افتقر إلى علاقات كثيرة نحو قول القائل تزوجت بنت الأمير ، ويفسر ذلك برؤيته لوالد عاقد الأنكحة بالمدينة معتمدا على أن النكاح ملازم للعقد الذي هو ملازم للعاقد الذي هو ملازم لأبيه ، ومجاز مختلف فيه ، وهو الجمع بين حقيقتين ، أو مجازين ، أو مجاز وحقيقة ، فإن الجمع بين الحقيقتين مجاز ، وكذلك الباقي لأن اللفظ لم يوضع للمجموع ، فهو مجاز فيه ، فنحن والشافعي نقول بهذا المجاز ، وغيرنا لا يقول به .

[ ص: 77 ] [ لنا قوله تعالى : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) . والصلاة من الملائكة الدعاء ، ومن الله تعالى الإحسان ، فقد استعمل في المعنيين . . . بأنه يمتنع استعماله حقيقة لعدم الوضع ، ومجازا لأن العرب لم تجزه ، والجواب منع الثاني ] .

الثاني : إذا تجرد المشترك عن القرائن كان مجملا لا يتصرف فيه إلا بدليل يعين أحد مسمياته ، وقال الشافعي : حمله على الجميع احتياطا .

الثالث : إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح كلفظ الدابة : حقيقة مرجوحة في مطلق الدابة مجاز راجح في الحمار ، فيحمل على الحقيقة عند أبي حنيفة ترجيحا للحقيقة على المجاز ، وعلى المجاز الراجح عند أبي يوسف نظرا لرجحانه ، وتوقف الإمام فخر الدين في ذلك نظرا للتعارض ، والأظهر مذهب أبي يوسف ، فإن كل شيء قدم من الألفاظ إنما قدم لرجحانه ، والتقدير رجحان المجاز ، فيجب المصير إليه .

وهاهنا دقيقة ، وهو أن الكلام إذا كان في سياق النفي ، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة كالدابة والطلاق - يتعين أن الكلام نص في نفي المجاز الراجح بالضرورة ، فلا يتأتى توقف الإمام - رحمه الله - وإذا كان في سياق الإثبات ، والمجاز الراجح بعض أفراد الحقيقة ، فهو نص في إثبات الحقيقة بالضرورة ، فلا يأتي توقفه أيضا ، وإنما يتأتى له ذلك إن سلم له في نفي الحقيقة ، والكلام في سياق النفي ، أو في إثبات المجاز ، والكلام في سياق الإثبات ، أو يكون المجاز الراجح ليس بعض أفراد الحقيقة كالرواية والنجو .

[ ص: 78 ] الرابع : إذا دار اللفظ بين احتمالين مرجوحين ، فيقدم التخصيص والمجاز والإضمار والنقل والاشتراك على النسخ ، والأربعة الأولى على الاشتراك ، والثلاثة الأولى على النقل ، والأولان على الإضمار ، والأول على الثاني ، لأن النسخ يحتاط فيه أكثر لكونه يصير اللفظ باطلا ، فتكون مقدماته أكثر ، فيكون مرجوحا ، فتقدم لرجحانها عليه ، والاشتراك محمل حاله القريبة بخلاف الأربعة ، والنقل يحتاج إلى اتفاق على إبطال وإنشاء وضع بعد وضع ، والثلاثة يكفي فيها مجرد القرينة ، فتقدم عليه ، ولأن الإضمار أقل ، فيكون مرجوحا ، ولأن التخصيص في بعض الحقيقة بخلاف المجاز .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث